الوسط الثقافي

أحمد علي هلال : خيار النقد جاء بعد قراءات نخبوية وقدرات تحليلية فالناقد ضيف المتن لا الهوامش ..

الحركة الثقافية الفلسطينية لا تنفصل بشواغلها وإشكالياتها عن واقع الثقافة العربية

|| Midline-news || – الوسط …

إعداد وحوار : روعـة يـونـس 

 

يمكنك معرفة المثقف الذي تحاوره من عدة أمور، أكثرها أهمية، طفولته. وكيف اكتشف موهبته ونمى هوايته، وكيف بنى ثقافته ومعرفته ولغته. فإذا كانت القراءات الأولى المؤسسة أطلقت شرارة ذائقته. ثم بات ينتبه في المرحلة الثانوية لعبارة (مراجع البحث) وظلت دالة تمور في أعماقه ليذهب إلى المكتبات مقتطعاً من مصروفه ما يعينه على شراء الكتب. فأنت أمام الناقد المثقف أحمد علي هلال، الذي سيكشف لك عن كل ما تسأله، وكل ما تود كشفه، ومعرفة أبعاده الثلاث. وسيحزنك أن تعرف أن مكتبته التي جمعها منذ صغره، وتحوي نحو خمسة آلاف كتاب ومخطوطاته ومقالاته وأرشيفه الخاص قد أكلتها نيران الحرب.

الحرب هُزمت أمام ثقافته ودرايته ومخزون ذاكرته الثمين . لهذا يأتي الحوار معه شاسعاً باتعاً بفضل معلوماته الغزيرة وآرائه الوفيرة. فقد اختار الرجل الحياة في عالم الثقافة بكل ميادينها وساحاتها، ولعل متعة الصعود إلى لغته ذات السقف العالي في الحوار، وأدبه الجمّ، تؤكد ما تريد هذه المقدمة قوله .

لكل شيء في الحياة نواة، جذر، ماذا عن نواة اهتماماتك الثقافية ؟ ، من أي جذور أثمر هذا العلم والمعرفة والثقافة لديك ؟.

  • النواة الحقيقية لمطلق أي اهتمام تكمن في الشغف والمعرفة، ولعلهما من مكونات بداياتي المعرفية فمن خلالهما كان العالم بكل مرئياته يمثل لي حالة تحدٍ، وأكثر من ذلك أصبح ضرورة للتأويل والاكتشاف، وهي آلية انتبهت لها مكتشفاً ذاتي النقدية قبل صقلها بالدراسة والمتابعة، فالقراءات الأولى لي كانت في عوالم الأدباء نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس والأبياري والرافعي، وعبد السلام العجيلي.. وطبعاً غيرهم ممن شكلوا لدي ذخيرة معرفية أولى قادتني لأقرأ الأدب العالمي وروائعه المعروفة. ثم من البديهي أن أقرأ لماركيز وكالفينو وموم وديستويفسكي وبوشكين وطاغور، ما جعلني أدخل عوالم ثقافة مختلفة تقوم على الحوار ليس بين الشخصيات وبيني، وبل بين الأجناس الإبداعية كلها.

الكسندر بوشكين ..

لغة التخاطب لديك، تعكس ثقافة رفيعة وأبجدية تكشف عن أديب حقيقي. فهل نحن أمام شاعر أم قاص أم روائي ؟.

  • فضلاً عن شغفي في الرواية والشعر والمسرح والتشكيل، كنت قارئاً للفلسفة وعلم النفس، أقرأ فرويد واقتنيت معظم مؤلفاته المترجمة إلى العربية، لذا فاللغة النقدية التي أتكلم بها في أبحاثي وندواتي، هي مزيج من معارف تشكلت في وعيي وحاملها محبة الفلسفة، فالنقد جاء مع ازدهار الفلسفة وحقول المعرفة في أوروبا، والأثر الذي تركه بي الفيلسوف كانت، كان كبيراً وخلق بي طريقة في التأمل والاستخلاص والاستنتاج، وهي طرائق معرفية أخذتني إلى كتابة الشعر الحر أو قصيدة النثر مبكراً، ومنها إلى القصة التي عكست أولى احتكاكاتي مع الكتابة.

إيمانويل كانط 

وأين وجدتَ أن قدرتك التحليلية طغت بشكل لافت على تصوراتك كلها لتقف على أرض النقد؟!

  • سؤال جميل. الحقيقة، وقفت على أرض النقد، بعد قراءات نخبوية وأخرى كثيفة في المدونة النقدية العربية والنتاجات النقدية الغربية في حقل الأفكار والمذاهب والتيارات، ولكِ أن تدركي كم عانيت في القراءة لأن ذلك الحقل شائك ودقيق لكنه مثّل لي مغامرة بامتياز، بمعنى أن النص الذي أقرأه الآن هو خلاصة تجربتي مع النقد قراءة وبحثاً وتنكباً في مساراته الصعبة، القائمة على المثاقفة والحوارات مع التيارات النقدية العالمية عبر ما وصلنا عربياً وبأقلام مترجمين مثقفين، إلى جانب ما كتبه النقاد العرب الأفذاد من أمثال إحسان عباس وصلاح فضل ويمنى العيد وكثر.

يمنى العيد 

لمَ مع كل هذه المواهب والثقافة والقدرة اللغوية، لا نجد لديك إصدارات خاصة ؟.

  • كان لي أن أعدّ كتابين نقديين الأول (في النقد الأدبي العربي الانجاز أم التنظير) والثاني (في نقد النقد النسويات العابرة في ذاكرة التلقي) ووصلت إلى مراحل نهائية. لكن الحرب والتهجير حملاني على أن أترك البيت ويحترق كل شيء بما فيه. مكتبتي والمخطوطات والقصص التي كتبتها ونشرت في الصحافة العربية. وقد كتبت مقدمات لكتب نقدية كثيرة ودواوين شعرية وروايات، فضلاً عن كتابة الزوايا الصحفية الثابتة في الصحف العربية والمحلية لا سيما “البعث” و”السفير” والمجلات الخاصة. وعلى صعيد اتحاد الكتاب الفلسطينيين شاركت بعدة قصص في المجموعات المشتركة التي أصدرها اتحاد الكتاب منتصف تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب أنني كنت في أسرة تحرير عدة مجلات مثل “قضايا وشهادات”  إلى جانب عملي في مجلتي “رؤية” و”الهدف” في الأقسام الثقافية منها، ومسؤوليتي الثقافية في مركز الدراسات الفلسطينية الذي مازلت قائماً عليه حتى الآن، وهو استئناف لما يسمى “المستشارية الثقافية” خلفاً للروائي العربي الراحل غالب هلسا. وكان قد أتيح لي بعد دراستي للإعلام في بيروت العمل في الصحف المحلية اللبنانية كجريدة السفير وخضت فيها سجالات مع نخب ثقافية لامعة، الأمر الذي فتح لي آفاقاً واسعة من الاحتكاك وتراكم الخبرات. وعلى الرغم من بعض العداوات التي جرتها علي صراحتي وصدقي في النقد! هناك كثيرون ممن وصفوني بالناقد الأخلاقي والمنصف، بما يعكس فهماً دقيقاً لحقيقة ما أعمل.

غالب هلسا 

يبدو لمحدثك فوراً قدراتك النقدية العالية، فإن كان الشعر أو الرواية أو النحت موهبة إبداعية ألا يُصنف النقد هنا كإبداع أعلى وأشمل. لأن القدرة على نقد وتحليل وتشريح أي منجز، يعني معرفته والإلمام به ربما “أكثر” من مبدعه ربما ؟.

  • نعم يصنف النقد كإبداع، لكنه بخصوصية ما وسمات ما بعينها، أي الطريقة التي يمارس الناقد فيها نقده ويبني خطابه عليها مستخدماً لغة نقدية دقيقة تكشف موهبته بالقدرة على حوار النصوص بحثاً عما أسماه يوماً الناقد الفرنسي الشهير رولان بارت بـ (الدال الفاخر)، فالناقد كما وقر في الأذهان هو ضيف المتن، لا ضيف الهوامش. وأيضاً لا أحكام نهائية كما قال “ورد ذورث”: لا صلاحية مطلقة لأحكام النقد” أي أن الناقد يقوم بالتوصيف وإنجاز الدلالة المستحقة، لا لينصف الكاتب، بل لينصف إبداعه فلا كاتب كبير، بل ثمة نص كبير.

رولان بارت 

ثمة “علاقة معقدة أو شائكة” بين المبدع أو المؤلف والناقد فكيف تقيّم الحركة النقدية لدينا ؟ وما هي الوسيلة لإقامة صلح وشراكة بين المؤلف والناقد المختص ؟

  • هناك جدلية في العلاقة بين المبدع والناقد، حكمتها سجالات كثيرة في المشهد الثقافي وإشكاليات مركبة حول دور كل منهما في التكامل أم التماثل أم  الاختلاف وأولوية أي منهم على الآخر. لكن في المشهد النقدي الآن ثمة حركة تتراكم بعيداً عن سوء الفهم الذي يلحق بالناقد أو بالمبدع، وهي مازالت أسيرة العلاقات الشخصية (الشلليات) على الرغم من إيجابية ما لأي تجمع ثقافي، تذكرنا على الأقل بمجموعات أدبية في الذاكرة الثقافية العربية مثل (الديوان) ظهرت على يد عباس محمود العقاد في مصر، ولا ننفي هنا جدية بعض النقاد الأكاديميين والأدبيين والإعلاميين في المشهد الثقافي والنقدي!

من جهة أخرى أنا أقول بتعدد الاحتمالات لهذه الحركة النقدية التي تحتاج إلى تحرير المعنى فيها وتصويبها قبل إشاعتها، لاختلاط بعض ممارساتها بما لا يشبه النقد وتقحم كثيرين هذا المجال بلا ثقافة أو موهبة، ولا تقوم على أسس معرفية ومنهجية. الأمر الذي فتح بالمجال لشيوع النقد أو ما اصطلح على تسميته بـ(شعبوية النقد)، وهذا ما ألاحظه في بعض مؤسسات الثقافة لا سيما حينما يتنكّب المبدعون أنفسهم مهمة النقد بعيداً عن الاختصاص.

عباس محمود العقاد 

نرغب أن تضعنا في أجواء الحركة الشعرية في سورية خاصة بعد الحرب. كيف تنظر إلى واقعها ولماذا يغيب ضوء أهم إنجاز للعرب منذ مئات السنين؟

  • الحركة الشعرية في سورية أنها استعادت توازنها بعد صدمة الحرب، وما زالت ترهص بعلامات وأسماء لا سيما من الأجيال الجديدة، صحيح أن هذه الحركة تتوسل طموحاً، لا سيما ممن أسميهم بأجيال الحساسيات الجديدة التي لم تنفصل كثيراً عن تجارب الرواد، بل استأنفت ما أنجزه أولئك على نحو أو آخر. إنما بشكل خاص هناك حضور كبير للأسماء النسوية كماً ونوعاً، فهي حركة تسير بخطى متسارعة بفعل ما أفرزته الحرب من اتجاهات فنية، وتجارب بعضها القليل كان محكوماً بالنضج الفني، والآخر مازال أسير الموضوعات والقضايا الذاتية.

إنما مع بروز أجيال شعرية جديدة تحاول اثبات ذاتها، دون حوامل مؤسساتية كما كانت لشعراء كبار منذ نزار قباني وأدونيس والماغوط وغيرهم، وما لم تكن المؤسسات الثقافية المعنية حاملة لإبداع أولئك الشباب فإن ذلك الابداع سيبقى في جزر معزولة بنتاجاته الفردية وأداءاته الإبداعية المتناثرة، فلابد من استراتيجية ثقافية تلتفت إلى جهود مبدعين حقيقيين، ومن أجيال مختلفة.

نزار قباني 

يبدو لي أن الفن التشكيلي هو الآن الأبرز والأكثر حضوراً في الحركة الثقافية، منذ غياب أدهم اسماعيل وفاتح المدرس ولؤي كيالي ؟.

  • نعم الفن التشكيلي لافت بفعالياته وحضور مبدعيه الشباب الذين ينوعون على تجاربهم ويضيفون للخط واللون قيماً تشكيلية مغايرة، ونجومها من الشباب أيضاً الذين مازالت تجاربهم مفتوحة على احتمالات الثقافة التشكيلية وألفت هنا إلى مظاهر غياب النقد التشكيلي، الذي يشكل رافعة للتشكيل، وحاجة معرفية للارتقاء بالمشهد التشكيلي الذي يبحث عن هوية تليق به تعود به إلى زمن أدهم اسماعيل.

أدهم إسماعيل 

قفزنا عن الرواية والقصة والمسرحية، لنعد إليهم (يبدو أن الرواية تشهد انتشاراً أكبر) هل ترى أن هذه الأصناف الأدبية في حال أفضل من الحركة الشعري ؟

  • الرواية تسير بخطى متثاقلة وبعض كتابها يقفزون إلى الصدارة، وبخاصة الروايات التي كُتبت زمن الحرب والتي تحتاج إلى اختمار فني ورؤية أعمق، ومن حسن الحظ أننا التقطنا هذه الروايات بوصفها طموحاً لمدونة الحرب وهي من تجهر بمواهب كتابها القليلون نسبياً في مقابل روايات استهلاكية سادت الوطن العربي وتوقها الوحيد السعي إلى الجوائز العالمية! وهذا ما قلته في غير محاضرة لي.

ما سبق ينطبق على النصوص المسرحية والقصصية التي تتفاوت بقيمتها الفنية، إلا أنها مازالت تشي أنها بخير ويعزز هذا الفهم مبدعون من الأجيال الجديدة محمولون على الشغف والمعرفة وماهية الإبداع. لكنني أحن إلى عصر الكبير سعدالله ونوس وكنت قد تعرفت إليه خلال عملي في تحرير مجلة “قضايا وشهادات”.

سعدالله ونوس 

تنقسم الآراء حول “واقع الأدب” في ظل الحرب على سورية! فهل كانت انعكاسات الحرب عليه لصالحه مع هذا الكم الكبير من مختلف إصدارات الكتب ؟.

  • تركت انعكاسات الحرب على الأدب مؤشرات عديدة على جدارة بعض الأصوات التي استشرفت هذا الواقع، لكن في الأغلب مازال الأدب عاجزاً عن التقاط لحظة الحرب وبثها في الوعي الجمعي، وذلك لأن الحرب مازالت قائمة ونتائجها مفتوحة، وبالتالي ما هو لصالح الأدب أنه ذهب باتجاه التوثيق أكثر منه ذهاباً إلى الإبداع، ربما لا يستطيع الواقع الموضوعي أن يدفعه للانفتاح أكثر على الأبعاد الإنسانية التي تشكل زخماً كبيراً لأدب الحرب، دون تجاوز أن بعض المجموعات القصصية أو الروائية تشكل مستوى مقبولاً يعكس شواغل فنية تندغم مع أصالة القضايا.

أحمد علي هلال 

كيف تنظرون إلى الحركة الثقافية الفلسطينية بما فيها فن الكاريكاتير؟ هل هي فاعلة وقادرة على نقل قضية فلسطين بكل مفاصلها ؟

  • الحركة الثقافية الفلسطينية لاتنفصل بشواغلها وإشكالياتها عن واقع الثقافة العربية، لكنها في الراهن تعيش بعض تشظي أصواتها نتيجة واقع موضوعي بعينه، واجتراح المبدعين من رسامي الكاريكاتير الشباب والقاصين والشعراء والمسرحيين أسلوبياتهم الخاصة لتكتمل في وعيهم فلسطين كقضية وهوية لا تنفصل عن انتمائهم العربي والإنساني. واقع يحملنا إلى استحقاقات عديدة وللأسف فإن غياب المؤسسات الثقافية المعنية عن أدوارها المنشودة، انعكس سلباً على تجارب أولئك المبدعين، الذين حملوا أصواتهم بعيداً وجهروا بها بوعي فردي مازال يتوسل وعياً جمعياً ينصف تجاربهم ويستأنف ما أنجزه الرواد والمخضرمين، بعيداً عن جدل الشكل والمضمون والأصالة والحداثة على أهميتهما الفائقة، إنها لحظة اختبار حقيقي ليتجذر إبداع مختلف في ظل الاحتلال الصهيوني وفي المنافي وهذا للزمن القصي وليس للراهن الذي نقف على مؤشراته فحسب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق