إضاءاتالعناوين الرئيسية

أبْجَد هَوَّز .. د. محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

.

 تقام كل يوم على مدرجات وقاعات الجامعات السورية العديد من ورشات العمل والمهرجانات الخطابية والندوات الفكرية والثقافية والسياسية في مناسبات مختلفة بما يتماشى ورسالة هذه الجامعات في رفع راية الفكّر والعلم والمعرفةِ ويُكافئ ثِقلها في المجتمع ويوازي المسؤولياتِ المُلقاةَ على عاتقها في تجسيد رؤيتها، ويتحدّثَ عادة في مثل هذه اللقاءات أساتذة جامعيون وسياسيون ومثقفون، ويحتشد لأجل ذلك المئاتُ من الطلبة وأعضاء الهيئة التعليمية والإداريين وغيرهم من المهتمين.

لكن الملفت أنه غالباً ما يشوب الاستماعَ إلى معظم هؤلاء الخطباء ضعفَ لغتِهم العربيّةِ ، تلك اللّغةِ التي كانت تُحسب لمعظم السورييّن دون غيرهم رصانةٌ وقوّةٌ في فنون الكتابة والقراءة والخطابة ، فترى المفاجآتُ في معظم الأحيان صاعقةً؛ كمثلِ: نصبِ فاعلٍ وجرِّ منصوبٍ ورفعِ مجرور. جرائمُ لّغويةٌ ترتَكبُ وإهاناتٌ للسان العرب الوعاءِ الوحيدِ المتبقّي من كرامةِ العرب. وَلعلّك قد تَجدُ عُذراً لبعض هؤلاء المتحدثين فيما لو تحسستَ مستوى ثقافتِهم، لكنك حتماً ستُصاب بخيبة الأمل عندما يكون النقاشُ أو الخطابةُ بعصمة أستاذ جامعيّ ! فَمع الأسف فإن معظم أساتذة الجامعات أصبحوا غير ملمين بأبسطِ قواعدِ النحوِ ومبادئِ الصّرف، فيرتكبون أخطاءَ صارخةً يَندى لها الجبينُ، ويعجزون عجزاً محبطاً عن قول جملتين متتابعتَين بلغة سليمة.

أما الأمر الأكثر استغراباً هو أنّ تلك الأخطاءَ الّلغويةَ لا تلقى أبداً استهجانَ المتلقِّين وكأنّ آذانَهم ألِفت.. لا بل اعتادت نشازَ اللحن بدلاً من أن ترفضَه وتلفظَه! في لقاء لرئيس جامعة دمشق الأسبقِ الأستاذ الدكتور وائل معلا مع السفير الصيني منذ بضعةِ أعوام كنت قد حضرت جزءاً منه، جرى الحديثُ عن آفاق تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في المعهد العالي للغات بجامعة دمشق وقد تمنى السفيرُ آنذاك افتتاحَ شُعبٍ إضافية لإقامةِ دورات لتعليمِ اللغة العربية لعدد جديد من المبتعثين الصينيين، وتحدَّثَ حينها السفيرُ عن الأجواء الحميميّة الممتازة لتعلّمِ اللغة العربية في مدينة دمشقَ نظراً لمكانتها التاريخية والثقافية والفكريةِ والاجتماعيةِ المتميّزةِ، وعن رغبة مُعظم الطلاب الصينيين في تعلّمِ اللغة العربية في دمشقَ، إلا أن اللافتَ للانتباه خلال حديث السفير الصيني كان عتبُه على بعض المدرسين لتحدثِهم مع الطلاب الصينيين بالعامية بدلاً من الفصحى، مؤكِداً أنّ التحدثَ بالعامية خطأٌ فادحٌ، ووباءٌ على أيّ لغة وسببٌ في اندثارها مع الزمن ، دون أن أنسى أن السيدَ السفير كان يتحدثُ اللغة العربيةَ الفصحى.

لا أريد الخوض في قضايا إشكاليةٍ أخرى، لكن يكفي مؤسساتِنا التعليميةَ من المشكلاتِ ما يُعرقل تقدمَ خططِها واستراتجياتِها لتتحولَ نقطةُ القوة الأساسية لديها، وهي التعليمُ باللغة العربية إلى نقطة ضعفٍ، ولنتذكرْ دائماً أن جامعةَ دمشق، ومن بعدها جميع الجامعات السورية، تميزت عن جميع الجامعات العربية بأنها أولُ جامعةٍ تُعلّمُ العلومَ باللغة الأم. فهل سيبقى هذا المنبرُ رائدَ تميّزٍ ينشرُ نور الإبداع وألقَ المعرفة إلى كلِّ حدبٍ وصوب؟
.

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى