أهم الأخبار
الرئيسية / رأي / ولكن علينا أن نزرع حديقتنا .. بقلم نجيب البكوشي ..

ولكن علينا أن نزرع حديقتنا .. بقلم نجيب البكوشي ..

|| Midline-news || – الوسط ..

مدينة لشبونة البرتغالية هي من أعرق الحواضر الأوروبية، تمّ تشييدها قبل مدن باريس ولندن و روما. سيطر عليها العرب خلال غزوهم لشبه الجزيرة الإيبيرية سنة 711م بقيادة طارق بن زياد واسترجعها ألفنسو الأول سنة 1147م خلال حرب الإسترداد. أصبحت عاصمة لمملكة البرتغال سنة 1256م في عهد ألفنسو الثالث.

ارتبط تاريخ المدينة بتاريخ الزلازل المدمّرة التي كانت مسرحا لها،أهمّها على الإطلاق زلزال الأوّل من نوفمبر سنة 1755. هذا الزلزال العظيم الذي سوف نأتي على تفاصيله لاحقا لم يتسبب في تدمير مدينة لشبونة فحسب بل تسبّب كذلك في هزّ أركان الفكر اللاهوتي المسيحي، واطلق شرارة جدل فلسفي حاد بين الرموز الفكرية لعصر الأنوار، حيث نظم فولتير(1778-1694) قصيدته الرائعة “مأساة لشبونة” وكتب بعدها روايته الفلسفية الشهيرة “كانديد أو المتفائل” التي سخر فيها من تفاؤل الفيلسوف الألمانى لايبنيتز(1716-1646)، وانخرط جون جاك روسو (1778-1712) في المعركة الفكرية منتصرا لأفكار لايبنيتز وكتب رسالته “حول العناية الإلاهية”.

في الأوّل من شهر نوفمبر سنة 1755 بينما كان عشرات الالاف من سكّان مدينة لشبونة البرتغالية يحتفلون داخل كنائسهم بعيد القدّسين La Toussaint ضرب مدينتهم زلزالا مدمّرا قدّر خبراء الزلازل اليوم أنّه كان بقوّة ثماني درجات ونصف على سلّم ريشتر ودام بين ثلاث وستّ دقائق فقط، بضع دقائق كانت كافية لتحويل كنائس المدينة إلى مقابر جماعية للمُؤمنين الذين جاؤوا للصلاة. هذه الكارثة سوف تحدث شرخا كبيرا داخل الوعي المسيحي ليس في مدينة لشبونة فحسب بل في أوروبا بأكملها والسؤال الذي سوف يؤرق رجال الدين هوّ؛ كيف يمكن للموت أن يبطش بتلك الوحشيّة بالمؤمنين وهم في حضرة الاله وفي يوم عيد مقدّس ؟.

Image may contain: outdoor and water

لكن مأساة سكان لشبونة لن تقف عند هذا الحد فالذين خرجوا من تحت ركام الكنائس والمنازل وكانوا يتذرّعون لله في الخلاء سيفاجئهم، بعد ساعة ونصف فقط،تسونامي بحري عنيف جدّا كان من إستتباعات الرجّة الأرضية وستجرف أمواج المحيط الأطلسي العالية ألاف الناس الذين كان يستغيثون الرب، ثمّ تندلع في إثر التسونامي حرائق سوف تأتي على الأخضر واليابس في المدينة تسببت فيها ألاف الشموع التي اشعلت في الكنائس للإحتفال بعيد القدّسين.

تسبب زلزال لشبونة في خسائر مادية وبشرية كبيرة جدّا فمن جملة 275 ألف ساكن في المدينة توفي حوالي 60 ألف ودمّرت ثلاثة أرباع المدينة حيث انهارت الكنائس والأدْيرة والقصور الملكية والمكتبات والمستشفيات والتهمت النيران دار الاوبرا وجرفت المياه الارشيف الملكي ومئات التحف الفنية النادرة وسجلاّت الرحالة البرتغالي الشهير فاسكو دي ڨاما.

وممّا زاد في حيرة المؤمنين المسيحيين ان بيوت الدعارة التي كانت على أطراف المدينة لم تسقط في حين انهارت بيوت الله وبينما قضى الأساقفة والرهبان نحبهم في الزلزال نجا منه نزلاء السجن المنحرفون وعاثوا في المدينة فسادا لعدة أيام فاغتصبوا النساء ونهبوا وسلبوا الأموات والأحياء.

إعتبر رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية وقتئذ ان زلزال لشبونة كان عقابا إلاهيّا سُلّط على المدينة بسبب تفشّي الرذيلة وظهور هرطقات مسيحية، رغم أن الكنيسة كانت تواجه كل من يخالف عقائدها بمحاكم التفتيش، وكانت ساحة “روسيّو” الشهيرة مسرحا لتنفيذ أحكام الإعدام حرقا في حق المتّهمين بالزندقة والسحر والشعوذة.

أمّا الأقليّة البروتستانتية في لشبونة والتي كانت تعاني من إضطهاد الأغلبية الكاثوليكية فقد إعتبرت بدورها أن الزلزال كان غضبا ربّانيا ضدّ الكاثوليك بسبب الظلم الذي مارسوه على البروتستانت ولكن تفسيرهم اللاهوتي لن يصمد طويلا فبعد حوالي أسبوعين فقط سوف يضرب زلزالا مماثلا مدينة بوسطن الأمريكية البروتستانتية ويدمّر آلاف المنازل.

المسلمون في المغرب بدورهم هلّلوا بالكارثة التي ضربت الصليبيين وذهبوا إلى أن ما وقع هوّ إنتقام إلاهي لضحايا محاكم التفتيش من المورسكيين ولكن الزلزال نفسه قام بتدمير مبان ومساجد في مدن طنجة وسلا و الرباط وأودى بحياة الالاف من المسلمين.

سوف تحاول الكنيسة إنقاذ مبدأ العناية الإلهية الذي غاب في زلزال لشبونة حيث مات عشرات الالاف من الابرياء، مستندة إلى عقيدة الإمتحان الإلاهي والألم غير المستحق كأحد دعائم اللاهوت المسيحي والتفسير الوحيد لوجود الشرّ في العالم. نجد هذه العقيدة بوضوح في الكتاب المقدّس وبالتحديد في “سفر أيوب” الذي يحدّثنا عن صبر النبي أيّوب على الإبتلاء الذي أصابه وهي نفس القصّة تقريبا الواردة في القرآن عند المسلمين. أيوب الرجل البار والمستقيم سوف يكون محلّ رهان بين الله (يهوه) و الشيطان حول قدرته على تحمّل ما ينزل عليه من مصائب.

قال الله (يهوه) للشيطان؛ “تطلَّع الى ايوب.‏ وانظر كم هو امين لي” فأجابه؛ “انه امين لانك تباركه وهو يملك خيرات كثيرة.‏ ولكن اذا اخذتها فانه سيلعنك”. قبل يهوه تحدّي إبليس وقال له؛ “‏اذهب.‏ وخذها.‏ افعل كل الامور الرديئة التي تريدها لايوب.‏ وسنرى ما اذا كان سيلعنني.‏ وانما تأكد أن لا تقتله.‏” امر الشيطان رجالا بسرقة كل مواشي الرجل الثري أيوب وحرقها ثمّ دبّر قتل أبنائه العشرة،ثمّ اصابه بمرض الجذام لعدّة سنوات فانفضّ من حوله كلّ الناس حتّى أنّ زوجته قالت له “العن الله ومت”، ولكنّ أيّوب صبر لما قُدّر له وظلّ وفيّا ليهوه، فكافاه بان اعاد له أضعاف ما فقده من مواشي ورزقه عشرة أبناء على غاية من الحسن والجمال وشفاه من مرضه العضال. عقيدة الإمتحان الإلاهي والصبر الأسطوري لأيّوب أمام المحن سوف تكون التفسير اللاهوتي الوحيد لوجود فكرة الشرّ بجوار فكرة الخير، فتُنسب فكرة الخير لله وفكرة الشرّ للشيطان ولكن كلاهما يخضع للعناية الالهية ومن هاتين المتناقضتين تنبع فكرة الحريّة حسب لايبنيتز.

فولتير أحد رموز التنوير سوف ينتفض ضدّ هذا التفسير اللاهوتي لكارثة لشبونة وسوف يحاول دحض فكرتي العقاب والإمتحان الإلاهيين للإنسان حيث قال موجّها خطابه لرجال الدين؛ «أيها الحكماء الحمقى، أي جريمة إرتكبها هؤلاء الأطفال الذين إغتالهم الزلزال وسالت دماؤمهم وهم في أحضان أمهاتهم؟ وهل كانت رذائل لندن أو باريس أقل من رذائل لشبونة؟ ومع ذلك دُمرت لشبونة وباريس ترقص.ألم يكن في مقدور الله أن يصنع عالماً ليس فيه هذا الشقاء الذي لا معنى له؟».

Image may contain: one or more people and closeup

فولتير من خلال قصيدته “مأساة لشبونة” اراد ان يكشف عن زيف الافكار التي يروجها رجال الدين لتفسير الكوارث الطبيعية وإستغلالهم لمآسي الناس لتأليبهم على بعضهم البعض. صرخته سوف تعلو صخب أجراس الكنائس وتعلن فجر الحداثة.

زلزال لشبونة سوف يكون محدّدا في المشروع الفكري لفولتير لاحقا واحد مصادر إلهامه عند كتابته لروايته الفلسفية “كانديد أو التفاؤل” التي صدرت سنة 1759، وتناول فيها قضايا فلسفية هامّة شغلت عقل الانوار وهي الدين والتعصّب، الحريّة والإستبداد، المعرفة والجهل، المساواة والعبودية، القدر والعناية الإهية، السعادة والشقاء ، الخير والشرّ.

بطل الرواية “كانديد” تربّى في قصر خاله وتتلمذ على يد معلّمه الفيلسوف “بنغلوس”Pangloss الذي كان يلقّنه مبادئ فلسفة التفاؤل واهم رموزها الفيلسوف الالماني “لايبنيتز” ويمكن تلخيص فكرة فلسفة التفاؤل في هذه المعادلة المنطقية؛ إذا كان الاله كاملا والكون من خلق الإله فالكون سوف يكون كاملا بالضررة،وكل شيء يسير إلى الأفضل في أفضل العوالم.

على إمتداد ثلاثين فصل سوف يحمل فولتير بطله “كانديد” وبقية شخوص روايته، المعلّم المتفائل بنغلوس، حبيبته “كينيوغند” Cunégonde، خادمه كاكمبو، ، البارون والبارونة وابن البارون، العجوز إبنة البابا أوربان العاشر و أميرة فلسطين، جاك المعمّد صاحب الفضيلة، مارتن الفيلسوف المتشائم، المصرفي اليهودي دون إساكار والمزارع التركي الحكيم …في رحلة وجودية ليقف بنفسه على الإحراجات المنطقية لأفكار المعلّم المتفائل”بنغلوس” وانّ هذا العالم ليس هوّ أفضل العوالم الممكنة بل هوّ عالم مليء بالقبح والشر.

تبدأ رحلة كانديد بعد ان طرده خاله البارون من قصره عندما فاجأه وهو يقبّل إبنته “كينيغوند”،حينها سوف يكتشف قبح عالم ما وراء أسوار القصر، وسوف ينقل لنا اهوال الحرب بين البلغار والماغول وتجارة الرقيق والتعصّب الديني والاوبئة المنتشرة في كافة أنحاء المعمورة عبر شهادات شخوص روايته الذين مرّوا بمراكش والجزائر وتونس و طرابلس والاسكندرية والقسطنطنية والبندقية وبيونس ايرس وباريس و أمستردام…وفي الفصلين السادس والسابع يحمل أبطاله إلى لشبونة ليشهدوا أهوال زلزال لشبونة سنة 1755.

كانديد، بعد هول ما شاهده من مآسي يتمرّد على معلّمه المتفائل “بنغلوس” ويقول له “لقد وصلتُ خط النهاية، لن أؤمن بفلسفة التفاؤل بعد اليوم فما هي أكثر من جنون الاصرار على أن كل شيء بخير بينما الواقع أن الأمور تسير نحو الهاوية!».

في الفصل الثلاثين والاخير من الرواية يعيد فولتير شخوصه بعد تجاربهم القاسية للعيش معا في بقعة واحدة على قطعة أرض إشتراها بطله “كانديد” ويدور هذا النقاش بين “كانديد” ومعلّمه المتفائل “بنغلوس” والمتشائم “مارتان” سوف يكون بمثابة العقد الإجتماعي بين كل أفراد هذه المجموعة للعيش معا : يقول كانديد مخاطبا بنغلوس : «…أعلم لكن علينا أن نزرع حديقتنا». فيجيبه بنغلوس : «أنت محق : لأنهُ عندما وضِع الإنسان في جنة عدن، كان ذلك ليعمل .. مما يثبت أن الإنسان لم يولد للراحة ». ويضيف مارتان : « فلنعمل بلا تفكير : هذه هي الوسيلة الوحيدة لجعل الحياة تُحتمل ».

العمل سوف يكون القيمة الثابتة والقاسم المشترك بين الجميع، “كينوغوند” رغم فقدانها لجمالها سوف تصبح حلوانية ماهرة والعجوز إبنة البابا أوربان العاشر سوف تهتمّ بالغسيل والأخ “جيروفلي” صار نجارا بارعا ورجلا صالحا و”باكيت” أصبحت خيّاطة ممتازة و”كانديد” صار اكثر واقعية وسيّد نفسه ومهندس أفكاره بعد ان تخلّص من السلطة المعنوية لمعلّمه بنغلوس الذي ظلّ متمسّكا بتفاؤله اللاهوتي.

العمل والعلم سوف يكونان القيميتين الثابتتين في مشروع الأنوار عموما وعند فولتير خصوصا لتحقيق الحلم الديكارتي في جعل الإنسان سيّدا ومالكا للطبيعة.

بعد حوالي ثلاثة قرون من زلزال لشبونة ومن صدور كتاب “كانديد او التفاؤل” لفولتير ومن ظهور علم الزلازل وعلم البراكين وعلم المناخ مازال بيننا من يعتبر ان الكوارث الطبيعية عقابا أو إبتلاء من الله ، حيث إعتبر بعض شيوخ الدين ان الفيضانات الاخيرة التي إجتاحت منطقة الوطن القبلي في تونس هي نتيجة غضب الله من التونسيين بعد ان أقرّوا المساواة في الميراث بين المرأة والرجل و خالفوا تعاليم الشريعة ، وذهب مهندس متأسلم في معهد الرصد الجوّي التونسي إلى حدّ تهنئة عائلات ضحايا الفيضانات بموت أقاربهم وخاطب والد تلميذتين شقيقتين جرفتهما المياه قائلا له انّ إبنتيه حوريتان في الجنّة،بل وتمنّى لو أنّ المياه كانت قد جرفته مع الضحايا.

لا ادري كيف يفسّر هؤلاء الشيوخ، الذين نصّبوا أنفسهم سعاة بريد بين الأرض والسماء، العاصفة الهوجاء التي إجتاحت بيت الله الحرام منذ حوالي شهرين أثناء أداء مناسك الحج؟ وكيف يبرّرون سقوط ألاف الضحايا أحيانا من الحجيج نتيجة سوء التنظيم وهم ضيوف عند الرحمان ؟

بالجدّ والعمل وبتشييد مراكز البحث والعلم أي “بزرع حديقتنا” كما قال “كانديد” يمكننا اللحاق بركب الأمم المتقدمة وليس بالتكاسل والتفسيرات الخرافية للظواهر الطبيعية، ليس لله شعبا مختارا، وكما قيل ينجو من الغرق من يحسن السباحة وليس من يحسن الصلاة.

*كاتب وباحث – تونس
باريس  29 سبتمبر 2018.

شاهد أيضاً

بقلم/ عصام سلامة……إدلب.. معركة الفصل الكبرى

 صارت كلمة الفصل الكبرى في الأزمة السورية قاب قوسين أو ادنى، وقارب الستار على الإسدال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *