أهم الأخبار
الرئيسية / دراسات وأبحاث / نـزعـة الاســتـعـانـة بـالـخـارج عـنـد الـمـعـارضـة …. مـحـمـد سـيـد رصـاص ..

نـزعـة الاســتـعـانـة بـالـخـارج عـنـد الـمـعـارضـة …. مـحـمـد سـيـد رصـاص ..

|| Midline-news || – الوسط ..

حصلت، عشية الغزو الأمريكي للعراق وفي أثنائه وغداته، ما يمكن تسميته بـ”النزعة الأمريكانية” عند حركات سياسية وأيديولوجية ماركسية أو شيوعية عربية، تحولت إلى الليبرالية الجديدة، ولكن ضمن سياقات هذا التحول الفكرية والسياسية (مثل: حركة اليسار الديمقراطي في لبنان المنبثقة في تشرين الأول/ أكتوبر 2004عن الحزب الشيوعي، أو مثل حزب الشعب الديمقراطي السوري، المنبثق في نيسان 2005 من الحزب الشيوعي- المكتب السياسي) أو عند حركات سياسية (أو ساسة) راهنت تحت عباءتها الأيديولوجية الأصلية في إطار المراهنة السياسية الصرفة (حزب الدعوة في العراق مثلاً، أو الإخوان المسلمين في سوريا منذ بيان 3 نيسان/ أبريل 2005، وليد جنبلاط) على الأمريكي في أن “يحدث تغييرات داخلية في بلدها، بعد أن عجزت العوامل المحلية للتغيير عن ذلك”.

منذ عام 2002، وقبيل أشهر من غزو العراق وعشية انعقاد مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في الشهر الأخير من ذلك العام، بدأت تظهر أطروحة أن المرجعية الوحيدة في تقويم مجمل سياسات المعارضات والسلطات “هي الديمقراطية” (أصلان عبد الكريم، وهو قيادي سابق في حزب العمل الشيوعي في سوريا، في نشرة “الرأي” الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي، العدد 14، تشرين الثاني/ نوفمبر 2002، ص19). أدى هذا إلى طروحات حول “أولوية الديمقراطية ومفتاحيتها” في القضايا كلها؛ الوطنية والاقتصادية- الاجتماعية، وأنها جميعاً مؤجلة إلى ما بعد تحقيق الديمقراطية أو مشروطة بها، مع سكوت أو  تصريح بالقبول بأي حامل يأتي بالديمقراطية، انطلاقاً من أطروحة تقول إن “الدكتاتوريات قد قضت على العوامل الداخلية للتغيير”، وهو ما تلاقى مع طروحات كان يقول بها بعض أيديولوجيي (المحافظين الجدد)، مثل ويليام كريستول، حول “صناعة الديمقراطية” في “الدول الفاشلة”.

ثم بدأ بعض المثقفين، الساسة العرب (جاد الكريم الجباعي، وهو قيادي سوري في حزب العمال الثوري العربي، في مقاله: “تهافت الدفاع عن العراق”، موقع “أخبار الشرق” لندن، يصدر عن جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، تحديث يوم 24 كانون الأول/ ديسمبر 2002) في طرح طروحات قالت بأن هناك ثنائية متضادة، في الواقع العربي المعاصر، متمثلة في أن “النظام الاستبدادي العربي وضع الشعوب العربية بين خيارين: إما قبول الاستبداد أو الاستقواء بالخارج، ثم يضيف: الاستبداد كالاستعمار، كلاهما إهانة للكرامة الإنسانية، بل إن الاستبداد أخطر من الاستعمار، لأنه يستقدم الاستعمار، أو ينتج القابلية للاستعمار والقابلية للاستقواء بالخارج على الداخل”.

في مرحلة ما بعد غزو العراق (19 آذار/ مارس- 9 نيسان/ أبريل 2003) ظهرت أطروحة (الصفر الاستعماري) وأن الأمريكيين قد نقلوا العراق “من الناقص إلى الصفر” (رياض الترك: مقابلة مع جريدة “النهار”، 28 أيلول/ سبتمبر 2004).

في تلك المرحلة، ظهر بالترافق مع هذا طروحات فكرية- سياسية (يمكن إيجاد ينابيعها في “مشروع الشرق الأوسط الكبير “الصادر عن الخارجية الأمريكية في 13شباط/ فبراير 2004) تقول بـ”مكوِنات الشعب” و”الديمقراطية التوافقية” بين تلك “المكوِنات”، وهو ماظهر في (عراق مابعد 9 نيسان/ أبريل 2003- قوى 14 آذار/ مارس في لبنان – ائتلاف “إعلان دمشق”)، ما انعكس في النتيجة في مواقف جديدة تجاه (العروبة) و(الوحدة العربية).

قاد هذا -القوى والشخصيات التي اتجهت في هذا الاتجاه- إلى اصطفافات سياسية جديدة وإلى مواقف في أحداث مفصلية (حرب تموز/ يوليو 2006) كانت على تعاكس مع تاريخ سابق لها.

  • قضية البحث ..

منذ 11 أيلول/ سبتمبر 2001، يوم ضرب برجي نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن، بدأت تظهر معالم سياسة أمريكية جديدة حيال المنطقة العربية، كانت مختلفة عن مجمل السياسات الأمريكية، بدءاً من انخراط الولايات المتحدة في شؤون المنطقة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، إذ كانت تلك السياسات، منذ “مبدأ ترومان” (1947) و”مشروع أيزنهاور” (1957) وسياسات كيسنجر في السبعينيات وحتى نهاية عهد كلينتون، تتحالف مع الأنظمة والأوضاع العربية القائمة.

بعد شهرين ونصف من 11 أيلول/ سبتمبر قام نائب وزير الدفاع الأمريكي بول فولفوفيتز بجمع (طاقم تفكير)، مؤلف من 12 شخصاً، كان من بينهم المستشرق برنارد لويس وكاتب العمود الأسبوعي في مجلة “نيوزويك” فؤاد زكريا ومستشار وزير الدفاع ستيف هيربيتز: في يوم الأحد 2 كانون الأول أنهت تلك المجموعة مداولاتها بتقديم مذكرة بعنوان: “دلتا الإرهاب” (استخدم مصطلح دلتا، هنا، بمعنى فم النهر الذي يبدأ منه جريان المياه)، جرى رفعها إلى الرئيس بوش، وقد كانت الخلاصة المركزة للمذكرة أن حدث 11 أيلول/ سبتمبر ليس “حدثاً يمكن فصله” عن الوضع في منطقة الشرق الأوسط التي شُخِصت حالتها في المذكرة بأنها تحوي malignancy”” التي تعني معنيين في اللغة الإنكليزية: الطبيعة الشريرة، والورم الخبيث، وهو التعبير الذي كان “ذا وقع قوي على بوش”، فيما كان نائب الرئيس ديك تشيني “مسروراً بالمذكرة”، التي اعتبرتها رايس “مقنعة جداً” التي اعتبر هيربيتز في تلخيصه لها كانطباع “بأننا نواجه الآن حرب الجيل الثاني التي نبدأ بها الآن من العراق”1”.

خلال عام 2002 بدأت واشنطن بربط “الإرهاب يالدكتاتورية” كحاضنة بيئية، وفي ربطه أيضاً بـ”تفسير معين للإسلام”، قام بعض كتاب الأعمدة في الصحف الأمريكية آنذاك بمحاولة إيجاد صلة له بالوهابية (انطلاقاً من أن15 من 19 من أفراد عمليات 11 أيلول/ سبتمبر كانوا سعوديين)، في ما لم يشر المسؤولون الأمريكيون علناً (وبعضهم قام بذلك تلميحاً) إلى ذلك: حصلت آنذاك توترات معلنة بين واشنطن وحلفائها التقليديين في الرياض والقاهرة، بالتزامن مع الاستعدادات المعلنة أمريكياً لغزو العراق، أوحت لكثير من العرب المعارضين، ليس فقط من العراقيين وإنما أيضاً من السوريين واللبنانيين (كانوا معادين للنفوذ السوري في لبنان)، بأن واشنطن تتجه إلى إزالة (أو على الأقل زعزعة) الأنظمة العربية القائمة.

استناداً إلى ذلك بدأ نشوء (نزعة الاستعانة بالخارج) وتبلورها عند ساسة ومثقفين عرب معارضين منذ عام2002، ترجمت فيها الرغبة في تغيير الأنظمة (العراق وسوريا)، أو  الأوضاع القائمة (لبنان)، عبر السير مع “رياح غربية”، رأى أصحاب تلك النزعة أنها تتجه نحو اقتلاع تلك الأنظمة والأوضاع، وقد أخذت هذه المراهنات في التوزع على منحيين: مراهنة ذات طابع أيديولوجي- سياسي مركَب قادت (أو ترافقت عند أصحابها) إلى تحول فكري وسياسي، ومراهنة ذات طابع سياسي محض (حالة إسلاميين عراقيين وسوريين: “المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق”، و”جماعة الاخوان المسلمين في سوريا”).

  • نشوء النزعة الأمريكية عند الساسة والمثقفين العرب المعارضين ووبداية تبلورها ..

بدأت إرهاصات هذه النزعة عند القوى الرئيسة للمعارضة العراقية منذ بداية الصدام بين نظام صدام حسين وواشنطن في إثر الغزو العراقي للكويت في يوم 2 آب/ أغسطس 1990. كان هذا استمراراً لتقليدٍ عند المعارضة العراقية، بكل فصائلها تقريباً، في وضع بيضها عند (خصوم وأعداء حاكم بغداد)، وهو ما رأيناه في المحاولة الانقلابية للعميد عبد الغني الراوي في الشهر الأول من عام 1970، وهي التي ضمت قوى تمتد من الملا البرزاني إلى السيد مهدي الحكيم (شقيق محمد باقر وعبد العزيز) وصولاً إلى رئيس الوزراء السابق عبد الرزاق النايف، حين تلقت قوى الانقلاب المزمع القيام به ضد سلطة حزب البعث (قبل انكشاف محاولة الانقلاب وإفشالها) في بغداد، دعماً من شاه إيران “2”، وهو ما استمر في الحرب العراقية-الإيرانية بين عامي1980 و1988من كثير من القوى العراقية المعارضة باتجاه طهران الخميني، ليس “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية” المعلن قيامه في طهران عام1983 وحزب الدعوة والحزب الديمقراطي الكردستاني (مسعود البرزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (جلال الطالباني) فقط، وإنماً أيضاً الحزب الشيوعي الذي كان جسمه القيادي قبيل مؤتمره الرابع، المعقود في قرية في الشمال كانت تحت السيطرة العسكرية المشتركة للإيرانيين ومسعود البرزاني في تشرين الثاني/ نوفمبر 1985، قد أظهر خلافات متمحورة حول الموقف من الحرب، ما أدى إلى إبعاد 28\43 من أعضاء اللجنة المركزية السابقة ومرشحيها (المنتخبة في مؤتمر 1976) في ذلك المؤتمر، وأغلبهم من العرب “3”.

يقول سعدي يوسف: “عندما بدأت الإدارة الأمريكية في الإعداد الجدي لاحتلال العراق، بعد 1991، عمدت أول ما عمدت إلى شراء المثقفين اليساريين بخاصة، ولم تجد الإدارة أي صعوبة هنا بسبب ما ذكرته من هشاشة، بل إن عملية الشراء لم تكلفها كثيراً من المال: مئة وخمسون دولاراً فقط في الشهر للمثقف الواحد (وهناك قصص تروى عن إضرابات تطالب بهذا المبلغ التافه إذا تأخر سداده)”4″. عام 1992 دخل الحزب الشيوعي العراقي في تحالف مع مسعود البرزاني وأحمد الجلبي، ولم يقل الحزب كلمة واحدة ضد الحصار الأمريكي- الدولي المفروض على العراق”5”. وعملياً، عندما بدأت الاستعدادات الأمريكية تظهر علناً لغزو العراق عام 2002، فإن أحداً من المعارضة العراقية كلها لم يقل كلمة (لا للغزو)، وإنما كان موقف قسم منها هو (السكوت الإيجابي)، مثل حزب الدعوة والحزب الشيوعي والحزب الإسلامي “الفرع الإخواني العراقي”، أو  التأييد كما فعلت القوى التي شاركت في مؤتمر لندن الذي جرى في كانون أول/ ديسمبر 2002 بإشراف المسؤول الأمريكي سلمان خليل زادة، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني (مسعود البرزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (جلال الطالباني) وتنظيم “المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق” بقيادة آل الحكيم، و”حركة الوفاق”، ذات التركيب السني- الشيعي، بقيادة إياد علاوي.

في تلك المرحلة لم يدخل العراقيون في التنظير لهذه الحالة، إلا لماماً، كما فعل عامر عبد الله (القيادي الشيوعي التاريخي) الذي يتحدث الدكتور عبد الحسين شعبان عن مواقفه في أثناء زيارته إلى لندن في أواسط التسعينيات “المتعلقة بشأن تسفيه فكرة السيادة وتسويغ القرارات الدولية. والتعويل على العامل الخارجي””6″، فيما نرى تسويغاً سياسياً لهذه النزعة في المراهنة (أو  التعويل) وملاقاة العامل الخارجي من خلال ممثلية “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق” بلبنان الذي أرسل مكتبه الإعلامي في بيروت لجريدة “السفير” (30 أيلول/ سبتمبر 2002) رداً على نقد كميل داغر للقاءات وفد المعارضة العراقية، ومنهم السيد عبد العزيز الحكيم، مع مسؤولي البنتاغون والخارجية الأمريكية في واشنطن الذي حوى الكلمات الآتية: “عندما أكدت المعارضة العراقية في واشنطن أنها لا يمكن إلا أن تمارس دور الشريك في مهمة إسقاط النظام الدكتاتوري في بغداد فإن هذا لا يعني أنها مع غزو العراق واحتلاله من القوات الأمريكية، إن المعارضة العراقية حين تشتغل على دور الشريك فهي تعمل من أجل ألا تنفرد واشنطن بكامل الملف العراقي ومن ثم بتقرير المستقبل ونظام الحكم وكل القضايا المتعلقة بمصير شعبنا. فهل الوقوف ضد الرغبة الأمريكية بالاستيلاء على كامل الملف العراقي ومنع الاستفراد بالمشاركة (الشراكة) خطأ سياسي وأخلاقي وقومي قاتل؟””7”.

في دمشق، قدم أصلان عبد الكريم (وهو قيادي سابق في حزب العمل الشيوعي في سوريا) في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2002 أطروحة جديدة تقول بأن المرجعية “الوحيدة في تقويم مجمل سياسات المعارضات والسلطات هي الديمقراطية”، وهو يقول في المرحلة الفاصلة بين لقاءات واشنطن للمعارضة العراقية وانعقاد مؤتمر لندن لعدد من فصائل المعارضة العراقية في 14- 15 كانون الأول/ ديسمبر 2002 الذي حضره المبعوث الأمريكي سلمان خليل زاده، إن المعارضة العراقية “تستميت ضد نظام صدام وهي على حق في ذلك””8”.

في أثناء مؤتمر لندن، قال جلال الطالباني: “لم نستطع التغيير بوساطة قوانا الذاتية. يجب أن نكون واقعيين ونقر بذلك. القضية جرى تدويلها ولنا الحق في المطالبة بدعم دولي ويجب ألا نخجل””9″، وهو ما أكده البيان السياسي للمؤتمر عندما شدَد على “أهمية اغتنام الفرصة التي توافرت مجدداً أمام الشعب العراقي من خلال استثمار العامل الدولي لإسقاط النظام العراقي الفاشي””10”.

خلال عشرة أيام من انتهاء أعمال مؤتمر لندن، أعلن الماركسي السوري جاد الكريم الجباعي، وهو قيادي في حزب العمال الثوري العربي الذي أسسه ياسين الحافظ عام 1965: “الوجه الآخر لإدانة العدوان كان منذ 1991 وما يزال تسويغ الاستبداد وتأييده ومناصرته، وليذهب الشعب العراقي والشعوب العربية الرازحة تحت نير الاستبداد كلها إلى الجحيم، ما دام هناك بطل يدافع عن الأمة العربية ويعلي مجدها، بل مجده بين الأمم، ولم نسأل عن الأسباب التي دفعت نخبة من السياسيين العراقيين إلى الاستقواء بالخارج، ثم يضيف: قد يقول قائل إن هذا أقرب إلى موعظة أخلاقية، وقد يقول آخر: هذا تسويغ للعدوان الأمريكي على العراق ولللاستقواء بالخارج على الداخل، حسناً، ليقل كل امرىء مايشاء””11”.

في شهر آذار/ مارس 2003 الذي حصل فيه غزو العراق ظهر أيضاً رأي جديد لماركسي سوري، هو ميشيل كيلو: “نعم لشكل التدخل الدولي الذي قد يخلص الشعب العراقي من رجل دمر الدولة والمجتمع، نعم لمعايير ديمقراطية تضعها الأمم المتحدة وتفرضها على كل البلدان بلا استثناء، ونعم للجوء إلى كل وسائل الأمم المتحدة ضد هذا النظام””12”.

لم تتحول تلك الآراء جميعاً -حتى سقوط بغداد يوم الأربعاء 9 نيسان/ أبريل 2003، إلى بلورة تيار فكري سياسي- إلاأنها ظلت، حتى ذلك اليوم المشهود، في صورة آراء سياسية لم تتقولب في بناء أيديولوجي، وإن كان يلاحظ على حامليها من الماركسيين العرب (بخلاف الحزب الشيوعي العراقي الذي ظل يحمل الصفة الماركسية- الشيوعية وهو يدخل “مجلس حكم” بريمر) بداية انتقالهم، بالترافق معها وعبرها، إلى الموقع الليبرالي في سياقاته الفكرية- السياسية من دون بلورة نظرية متسقة، فيما كانت هناك حالة عراقية خاصة تمثلت في أن القوى والأحزاب العراقية لم تبدل رداءها الأيديولوجي قي أثناء تعاونها مع واشنطن أو بعده، وهو شيء مختلف ولو نسبياً عند الماركسيين والشيوعيين السوريين المعارضين الذين راهنوا على المشروع الأمريكي في مدة 2003-2006.

  • تلازم مسارات النزعة الأمريكانية في بيروت ودمشق (9 نيسان/ أبريل 2003- 14 آذار/ مارس 2005)

قبيل أربعين يوماً من بدء غزو العراق رسم وزير الخارجية الأمريكي كولن بأول “خريطة طريق” الغازي الجديد للمنطقة: “النجاح في العراق قد يعيد ترتيب هذه المنطقة جذرياً بطريقة إيجابية تخدم أكثر المصالح الأمريكية””13”.

وصل الوزير باول إلى دمشق في يوم الجمعة 2 أيار/ مايو 2003، وقد أعلن في المطار عند وصوله: “سأوضح للرئيس الأسد جلياً كيف تنظر الولايات المتحدة إلى تبدل الوضع في المنطقة مع رحيل نظام صدام حسين” وعند سؤاله عن عواقب تواجهها سوريا في حال عدم تجاوبها مع واشنطن أجاب “هذه قرارات سنتخذها بعد أن نرى الأداء وهل سيتغيرون أم لا””14″، وعند عودة باول إلى واشنطن أوضح ما جرى في دمشق أكثر: “ما قلته للرئيس الأسد هو أننا سنراقب ونقيس الأداء خلال فترة من الزمن لنرى ما إذا كانت سوريا مستعدة الآن للتحرك في اتجاه جديد في ضوء الظروف المتغيرة.. لم تعد هناك أوهام في ذهنه (أي الرئيس الأسد) حول ما نتوقعه من سوريا (وأضاف باول في سلسلة مقابلات تلفزيونية في واشنطن بأنه أبلغ الرئيس السوري: بأنك تستطيع أن تكون جزءاً من مستقبل إيجابي أو أن تبقى في الماضي مع السياسات التي تتبعها الخيار لك””15”.

كان هذا تحولاً مفصلياً في العلاقات الأمريكية- السورية لم يشهد له مثيلاً خلال الأعوام الثلاثين السابقة، حتى في أزمات1982- 1983التي أعقبت اجتياح لبنان بين البلدين، وكان من الواضح في هذا التحول الآتي من طرف واشنطن أنها تريد تدفيع دمشق، الرافضة لغزو العراق واحتلاله، أول فاتورة إقليمية ثمناً للمتغيرات الجديدة الناتجة من سقوط بغداد: قيل آنذاك، في العالم الشفوي للسياسة السورية، بأن باول قد قدم ثلاثة وثلاثين مطلباً، كان من بينها ما يتعلق بالوضع الداخلي السوري، إلا أن ما طفا على السطح الإعلامي الأمريكي، وعند الرسميين الأمريكيين، كان ثلاثة مطالب تتعلق بالعراق وفلسطين ولبنان (من دون أن تصل الأمور آنذاك للمطالبة بانسحاب سوري، وإنما التركيز على وقف تزويد حزب الله بالسلاح”16″).

لم تحصل ترجمات فورية لهذا التحول في العلاقات الأمريكية – السورية عند المعارضين السوريين. في بيروت حصلت ترجمة فورية مكتوبة لهذا التبدل الأمريكي- السوري عند معارضين لبنانيين للوجود السوري في لبنان: بعد أسبوع من زيارة باول إلى دمشق كتب سمير قصير الكلمات الآتية: “في ماض ليس ببعيد، أشهر فحسب أو حتى أسابيع، كان التفكير في احتمال انتهاء الهيمنة السورية (على لبنان) يعد ضرباً من الوهم. اليوم أضحى الاعتقاد أن هذه الهيمنة ستظل قائمة إلى ما لانهاية وهماً بدوره. ليس لأن باول ورايس وساترفيلد لوحوا ويلوحون بضرورة الانسحاب السوري، فهذا الموضوع ليس على رأس الأولويات الأمريكية حتى الآن، بل لأن التأقلم الذي نصح به باول الحكم السوري، بما يعنيه من استجابة للتطلعات الأمريكية، يفضي إلى تعديل جوهري في سياسته، وصولاً إلى حد تغيير النظام القائم جلده سعياً للديمومة. وسواء غير النظام السوري جلده أم لم يغير فإن قدرته على الاحتفاظ بغنيمته اللبنانية الموروثة صارت موضع شك في ظل انقلاب استراتيجي يضيره تمدد أي قوة إقليمية خارج حدودها””17.

بالتوازي، فمن الممكن القول بأن الموضوع الرئيس الذي شغل أوساط المعارضة السورية في صيف 2003، كان (الموضوع الأمريكي) وليس (موضوع النظام) كما كان في السابق. افتتح الدكتور برهان غليون النقاش المكتوب مبكراً في يوم 26 أيار/ مايو 2003: “الوضع الهش والقلق للمعارضة التي لا تستند لا إلى وظيفة بنيوية في النظام ولا إلى قاعدة اجتماعية ثابتة هو الذي يفسر ضعف المعارضة، ويفسر المأزق الذي تجد نفسها فيه وتناقض اختياراتها أو  الإحراجات التي تجد نفسها حبيستها في الاختيار بين الاستبداد والاستعمار، فهي إما أن تقبل بأن تظل هامشية ومهمشة لا وزن ولا مكان ولا قيمة لها أو أن تتعامل مع قوى أصلية وفاعلة أو  ماسكة داخلية أو خارجية””18″، مع الإشارة إلى أن الدكتور غليون، في تلخيصه الدقيق لوضع كثيرين من المعارضين السوريين الذين كانوا يراهنون على “التيار الإصلاحي في العهد الجديد للرئيس بشار الأسد” في مرحلة 2000- 2002 ثم انتقل كثيرون منهم للمراهنة على (العامل الأمريكي)، يحاول في هذا المقال حشر المعارضين السوريين بين خياري (الاستبداد) و(الاستعمار)، من دون القبول بوجود خيار ثالث، وبالتأكيد فإن هذا لا ينبع عنده من “العلمية الصارمة” وإنما من غايات سياسية كان يضمرها آنذاك، قبل أن يصدر حكماً قاطعاً في 2 تشرين أول/ أكتوبر 2003، وفي موقع “أخبار الشرق” أيضاً، بأن “النظام السوري، مثله مثل جميع الأنظمة الشمولية التي عرفتها الكرة الأرضية خلال القرن العشرين، قد فقد جميع شروط بقائه التاريخية وفي مقدمها متغيرات الاستقطاب الدولي، وهو اليوم في طريق مسدود دائماً””19″، وقد كان غليون في تلك المرحلة يمارس نفوذاً متعاظماً على رياض الترك الذي قال قبيل أيام، من جولة خارجية في القارتين الأوروبية والأمريكية استغرقت شهرين، بأنه عبر احتلال الولايات المتحدة للعراق “أزاحوا نظاماً كريهاً ونقل الأمريكيون المجتمع العراقي من الناقص إلى الصفر””20″، وقد عاد الترك من تلك الرحلة ليقول “بأن هناك رياحاً غربية ستهب على دمشق وعلينا أن نلاقيها ببرنامج سياسي مناسب” (في حديث شفوي مع كاتب هذه السطور، حمص، 7 كانون الأول/ ديسمبر 2003، وقد كان واضحاً، عبر التفاصيل المروية عن الرحلة، مدى تأثر الترك بالدكتور غليون، الذي كان الوسيط والمدخل إلى الدوائر الفرنسية المتعددة).

خلال أيام من عودة الترك لاحظ كثيرون مدى الانقلاب الكبير الحاصل عنده بالقياس إلى ما كان عليه عندما غادر مطار دمشق قبل شهرين، ولو أن تلك “الكلمة القنبلة” التي أطلقها قبل مغادرته بأيام حول (الصفر الاستعماري) كانت تشي بتحولات كبيرة عنده، إلا أن كثيرين لم يتوقعوا أن تقود آراؤه حول (الأمريكيين) و(العراق) إلى تحولات أيديولوجية عنده، الأمر الذي حصل في نهاية شهر كانون الأول/ ديسمبر 2003 عندما وافق على “مشروع موضوعات” للمؤتمر المقبل للحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) كانت تقول بتغيير اسم الحزب وبالتخلي عن الماركسية، وهما أمران كان الأستاذ الترك يرفضهما في الصيف السابق.

بعد خمسة أشهر من زيارة باول إلى دمشق انتقلت واشنطن إلى خطوة تصعيدية جديدة مع سوريا: موافقة مجلس النواب الأمريكي على قانون “محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية” في يوم 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2003 (وافق مجلس الشيوخ على القانون يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر، وفي يوم 11 أيار/ مايو 2004 جرى تحويله بمرسوم من الرئيس بوش إلى قرار تنفيذي). كان مشروع القانون قد قدم للكونغرس بمجلسيه في الأسبوع الذي جرت فيه الغارة الإسرائيلية على منطقة عين الصاحب قرب دمشق في يوم 3 تشرين الأول/ أكتوبر التي اعتبرت تطوراً نوعياً عسكرياً خلال تسع وعشرين سنة من عمر اتفاقية فك الاشتباك السورية- الإسرائلية في 31 أيار/ مايو 1974 من حيث امتداد الاشتباك العسكري الإسرائيلي- السوري لأول مرة نحو الأراضي السورية فيما كان طوال تلك المدة قد اقتصر على الأراضي اللبنانية في شهر حزيران/ يونيو 1982، وقد كان الغطاء الأمريكي للغارة الإسرائيلية واضحاً. في المرحلة الفاصلة بين موافقتي مجلس النواب والشيوخ على مشروع قانون “محاسبة سوريا” ألقى الرئيس بوش يوم 6 تشرين الثاني/ نوفمبر خطاباً أعلن فيه “استراتيجية تسعى لنشر الديمقراطية، معتبراً أن إقامة عراق حر في قلب الشرق الأوسط سيكون حدثاً مفصلياً في الثورة الديمقراطية العالمية، وأن الديمقراطية العراقية سوف تنجح، وهذا النجاح سوف ينشر الأخبار من دمشق إلى طهران أن الحرية يمكن أن تكون مستقبل كل دولة، ثم يضيف الرئيس الأمريكي إشارة دالة على مدى كون دمشق هي التالية في جدول الأعمال الأمريكي، من خلال توحيده لنظامي البعث في بغداد ودمشق: الطغاة في العراق وسوريا وعدوا باستعادة الكرامة الوطنية والعودة إلى أمجاد الماضي، ولكنهم خلفوا وراءهم تركة من التعذيب والبؤس والخراب””21”.

إلا أن بوش، هو والرئيس الفرنسي شيراك المتصالح حديثاً مع الرئيس الأمريكي بعد خصامهما حول حرب العراق، اختارا بيروت ميداناً لمواجهة النظام السوري بدلاً من دمشق، ربما لاعتبار بيروت “كعب آخيل”، أو كما شرح (فنسان نوزي) صاحب كتاب “في سر الرؤساء”، في برنامج “الملف” مع قناة الجزيرة (الجمعة 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2010)، بأن شيراك كان يظن أن خروج السوريين من بيروت سيؤدي إلى سقوط النظام في دمشق.

استغلت المعارضة اللبنانية الوجود العسكري السوري في بلبنان في صدور القرار1559: كان من أبرز هؤلاء وليد جنبلاط الذي عارض التمديد، وكان هذا عنده منطلقاً لانقلاب في المواقف على موقعه في (نظام الطائف): كان أول ترجمة لانزياحات جنبلاط في (لقاء البريستول1) الذي جمعه في يوم 22 أيلول/ سبتمبر 2004 مع (لقاء قرنة شهوان) الذي ضم المعارضة المسيحية منذ 2001، مع أنه ظل يؤكد جمع معارضته للتمديد مع رفض “البنود التي وردت في القرار 1559″”22″، إلا أنه في الطريق إلى التحول الذي ترجم في انزياحات جنبلاطية كبرى في (لقاء بريستول3) يوم2 شباط/ فبراير 2005، كانت هناك محطات جنبلاطية عبَدت الطريق، منها الذهاب إلى منزل سمير جعجع في29 كانون الأول/ ديسمبر واعتبار انتخابات العراق يوم 30 كانون الثاني/ يناير 2005″ عنصر إلهام”: في (بريستول 3) الذي حضره ممثلون عن “تيار المستقبل” بزعامة رفيق الحريري لأول مرة هما النائبان غطاس خوري وأحمد فتفت، كان هناك تصعيد في مطالب المعارضة اللبنانية نحو “الانسحاب الكامل للجيش السوري “بدلاً من” إعادة التموضع” ومساواة بين القرار 1559 والشرعية الدولية عندما ذكر البيان الصادر عن (بريستول3) “الأزمة الخطرة التي نشبت بين السلطة اللبنانية والشرعية الدولية بعد صدور القرار 1559 (جريدة “المستقبل”، 3 شباط/ فبراير 2005)، وهو ما نشرت مجلة “بوليتيك إنترناشيونال” الفرنسية في يوم 8 شباط/ فبراير نصاً لمقابلة مع جنبلاط بدأ فيه بالتصريح عن تعويله على القرار 1559: “بعض أوجه القرار 1559 تذهب في اتجاه لبنان المستقل والديمقراطي والسيد، وأنا لا أخفي عليكم أني مستعد للاستفادة من هذا التطور.””23”.

في مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في يوم 14 شباط/ فبراير 2005، حشدت قوى المعارضة اللبنانية، القديمة والمستجدة، قواها في تظاهرة 14 آذار/ مارس 2005، وقد سار المسار اللبناني في مناحي، مع انسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان ثم انتصار (قوى 14آذار) في انتخابات برلمان حزيران/ يونيو 2005 بأغلبية المقاعد.

ولكن، لم تكن تأثيرات (القرار1559) مقتصرة على لبنان، وإن كانت تداعياته تركزت هناك لتشرع الساحة الللبنانية في الانقسام ضمن محورين محليين على وقع مجابهة المحور الأمريكي – الفرنسي لدمشق في بلاد الأرز، إذ بدأت تأثيرات تلك المجابهة في الانعكاس على بعض أوساط المعارضة السورية التي شرع بعض كتابها في طرح تفوح منه رائحة التدويل لقضية المعارضات العربية، مثل الدكتور برهان غليون في مقال بعنوان: “أي منهج لمواجهة أزمة الشرق الأوسط؟”، في يوم 5 كانون الأول/ ديسمبر 2004، يقول: “ليس من الممكن في العالم العربي فصل العوامل الداخلية وسياسات النخب المحلية عن استراتيجيات الدول الكبرى، وليس هناك أي أمل في التغيير في هذه المنطقة من دون التقاء مصالح القوى الخارجية المهيمنة على النظم والنخب الحاكمة المحلية ومصالح الجمهور الواسع الذي يحتاج إلى التغيير ويتطلع إليه بفارغ الصبر.””24”.

  • النزعة الأمريكانية في المعارضة السورية 14 آذار/ مارس 2005- نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2007

ما بدا أنه انتصار للمعارضة اللبنانية، مع تظاهرة 14 آذار/ مارس وانسحاب الجيش السوري من لبنان في يوم26 نيسان/ أبريل 2005، كان له تأثيرات عميقة في المعارضة السورية، حيث أوحت أحداث بيروت التي أتت لغير مصلحة النظام السوري، بأن هناك احتمالات كبيرة في أن يكون لها ترجمات مماثلة في دمشق، مع حصار دولي وإقليمي بدأت ملامحه بالظهور آنذاك ضد النظام السوري، استخدمت فيها قضية الحريري وسيلة لذلك عبر أداة اسمها (لجنة التحقيق الدولي) برئاسة ديتليف ميليس.

في حوار مع صحيفة “نيويورك تايمز” (توجد ترجمة له في موقع “الرأي” بتحديث يوم 23 آذار/ مارس 2005) يقوم رياض الترك بتوحيد حالة دمشق مع بيروت: “المستقبل للمعارضة، النار تحت الرماد، هل أستطيع إخبارك بميقات وقوع الزلزال؟ كلا، انظر إلى لبنان، هل كان في وسع أحد أن يجزم متى سيندلع كل ذلك؟

مقاومتنا ومعارضتنا بدأت قبل لبنان بوقت طويل. لا نستطيع الجزم، هذا المجتمع الأبكم يريد التخلص من هذه الحكومة، ليس للدولة القدرة على الإصلاح والانفتاح على الشعب، بشار لم يتعلم درس العراق، إنه مثل صدام حسين الذي كانت لديه 11 سنة، من 1992 إلى 2002، لكي يتغير فلم يستطع. ما كان للولايات المتحدة أن تدخل العراق لو أن صدام كان قادراً على التغيير، ثم أعلن: “نعم، أنا على يقين أن الشرق الأوسط جاهز للسير في الطريق نحو الديمقراطية، نحن جاهزون للتخلص من الدكتاتورية، نحن نتفق مع الأمريكيين في ذلك”.

بعد عشرة أيام، وفي 3 نيسان/ أبريل، تبعت (جماعة الإخوان المسلمين في سورية) الأستاذ الترك في التخلي عن سياستها الاعتدالية التي انتهجتها منذ أيار/ مايو 2001 مع وثيقة “ميثاق شرف وطني” (منشورة في “النهار”، 8 أيار/ مايو 2001) التي وضعت الجماعة لأربع سنوات في موقع كان أكثر اعتدالية تجاه العهد الجديد من باقي المعارضة السورية: في بيان الجماعة (منشور بموقع “الرأي”، تحديث يوم3 نيسان/ أبريل 2005) هناك قراءة من الواضح فيها أن التشدد الجديد آتٍ من “أن القوى الخارجية التي كانت تسند الاستبداد والدكتاتورية منذ ستين عاماً اعترفت بأنها كانت على خطأ وتراجعت عنه” وهو ما يدفع أصحاب البيان للقول: “لقد انتهى عهد الحزب الواحد” -إلا أن هذا لم يدفع البيان، كما الأستاذ الترك- إلى قطع الجسور مع النظام وإنما للمناداة بالتغيير عبر “الدعوة إلى مؤتمر وطني شامل لايستثني أحداً، ولا يلغي أحداً، يمثل التيارات والأطياف كلها، والطوائف والأعراق، داخل الوطن وخارجه، يضع هذا المؤتمر الوطني الشامل برنامج عمل وطني للإنقاذ والتغيير، يبدأ من إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تحتكر السلطة وتفرض الوصاية على الشعب”، ومن ثم خلال أربعة أشهر لاحقة كان اتجاه إخواني جديد يقترب من قطع الأستاذ الترك للجسور مع النظام، إذ أعلن بيان (مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا) في 5 آب/ أغسطس 2005 (منشور في موقع “الرأي” بتحديث 5 آب/ أغسطس 2005) “أن جماعتنا تعلن انحيازها إلى الإجماع الوطني المطالب بضرورة التغيير الوطني الشامل، منطلقة من حقيقة أن النظام السوري بتركيبته الحالية غير قابل للإصلاح”.

أيضاً، وفي صورة ربما تعكس ما بدا أنه نوع من الترجيح لقراءة سادت في أوساط سورية معارضة حول احتمال تغيرات ستقع في دمشق على طراز بيروت، رأينا إرهاصات لانزياحات عند بعض أعضاء حزب البعث الحاكم في دمشق نحو الانتقال –بشكل فردي وفي “ربع الساعة الأخيرة”- إلى صفوف المعارضة السورية، وفي اتجاهها الأمريكي، كما في مقال نشره، بعد ثلاثة أيام من تظاهرة 14 آذار/ مارس 2005 في بيروت، الدكتور منذر بدر حلوم، وهو بعثي وأكاديمي في كلية الزراعة في جامعة اللاذقية: “قد يشوش الدعم الأمريكي والأوروبي المعلن وكذلك الترحيب الإسرائيلي بما يحصل على الأرض اللبنانية اليوم على البعض رؤية مصلحة حقيقية في خروج الشعوب العربية من هيمنة أنظمة استبدادية إلى أفق ديمقراطي، على الرغم من ذلك، وحتى إذا كان لأمريكا أن تستفيد من مزاج معاد للتعسف ورافض لأشكال القهر فتهيئ له أن ينتصر، فمن شأن هذا الانتصار أن يكون انتصاراً ضد كل تعسف مستقبلي ممكن وأشكال قهر داخلية أو خارجية محتملة، بما في ذلك الأمريكي منها، ففي حين يمكن للدور الأمريكي أن يكون عظيماً أول مرة فإنه لا يمكن كذلك أن يكون في المرات الآتية.””25″، وكأن هناك إمكان للقوى المحلية الراكبة في المركب الأمريكي أن تتحكم في مسار هذا المركب في ما يخص شؤون بلدها، وهو ما يقدم عكسه المساران العراقي واللبناني.

في المرحلة اللاحقة بقليل لما جرى في لبنان ربيع 2005، أسرعت القوى النافذة والمسيطرة على قيادة الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) –متجاهلة اعتراضات أقسام كبيرة من الحزب على ذلك- في تنفيذ تحولاتها باتجاه ملاقاة “الرياح الغربية ببرنامج سياسي ملائم”، عبر عقد مؤتمر في أيام (28-29- 30 نيسان/ أبريل 2005) انبثق منه (حزب الشعب الديمقراطي السوري)، تبنى مع تعديلات طفيفة، مشروع الموضوعات الذي أقرته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي- المكتب السياسي في يوم 30 كانون الأول/ ديسمبر 2003 وكان الاسم المقترح يومها للحزب هو (الحزب الاجتماعي الديمقراطي)، في “موضوعات مؤتمر حزب الشعب الديمقراطي” (48 صفحة قياس A4، خط قياس 12، ظل نصها موجوداً حتى صيف 2007 في موقع “الرأي”) هناك رؤية جديدة تتحدث عن “منجزات” (ص5) حقبة الاستعمار الفرنسي، وعن “ثقافة الموت” في وصف العمليات الاستشهادية الفلسطينية: “خطر الانزلاق من ثقافة الجهاد والاستعداد للتضحية حتى الاستشهاد المرتبطة بالمشروع الوطني إلى ثقافة الموت المرتبطة بهيمنة مشاعر اليأس والإحباط والعجز والانعزال -التي عززتها سياسات الأنظمة العربية وأيديولوجياتها بقوة كذلك- يهدد المشروع الفلسطيني بقوة””(ص28)، ثم تقدم الموضوعات الرؤية الجديدة (في أطروحة الصفر الاستعماري) حول نتائج الغزو الأمريكي للعراق ولو عبر رزمة ثنائية للاحتمالات: “لكن هذا الغزو نفسه، أنهى نظاماً عربياً بشعاً ومستقراً عقوداً، كاد فيها أن يصل بشعبه إلى حافة اليأس وذروة الإحباط، وفتح الباب على الاحتمالات والطروحات كلها، من أخطار التفتت والانقسامات والحروب الأهلية، إلى السير في اتجاه الديمقراطية والتعددية والدولة الدستورية الحديثة، وفي هذين الاتجاهين معاً، يحمل النذر أو البشائر إلى المنطقة كلها.”(ص30)، ثم تتحدث “الموضوعات” عن تأثيرات (11 أيلول/ سبتمبر) في تشكيل رؤية أمريكية تغييرية في المنطقة ضد الدكتاتوريات: “أحداث الحادي عشر من أيلول التي أعادت بعدها الولايات المتحدة النظر في سياستها في الشرق الأو سط، لترى مصلحتها في تغيير الأنظمة القائمة التي استمرت في دعمها طوال مايزيد على نصف قرن، أو في اجراء تبدلات فيها، بمايساعدها على تجفيف البيئة التي ترى فيها منبعاً للتطرف.”(ص16)….ثم تصل “الموضوعات”إلى تأثيرات احتلال العراق في الدفع نحو تشكيل النزعة التغييرية في المعارضة السورية:”بالاحتلال الأمريكي للعراق الذي قلب توازنات طالما سادت المنطقة، وغيَر الوضع الجيوسياسي فيها، أصبح التغيير في سورية أكثر الحاحاً وراهنية، باحتلال العراق أصبح التغيير راهناً وموضوعياً في سوريا”(ص17).

في هذه “الأجواء التغييرية” بدأت قصة “إعلان دمشق” (الذي أعلنت وثيقته التأسيسية في يوم الأحد 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2005) منذ منتصف شهر أيار/ مايو 2005، وقد طرحت فكرة أولية لـ”تشكيل جبهة عريضة” تضم (الإخوان) و(التجمع الوطني الديمقراطي) كان يضم: حزب الشعب، وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي، وحزب العمال الثوري العربي، وحركة الاشتراكيين العرب، وحركة 23 شباط/ فبراير (لجان إحياء المجتمع المدني) و(الأحزاب الكردية)، وقد كتبت في خمسة أشهر ثلاث مسودات، وجرت مناقشة واسعة للموضوع قبل نضجه في لقاءات لندن في تموز/ يوليو 2005 التي جمعت رياض الترك والمراقب العام لـ(جماعة الإخوان المسلمين) علي صدر الدين البيانوني.

آنذاك، كان النظام السوري في حالة حصار، دولي وإقليمي: قام رياض الترك، في مقابلة مع موقع “سيريا كومنت” (www.syriacomment.com، تحديث يوم 8 أيلول/ سبتمبر 2005، وهو موقع يديره جوشوا لانديس، أحد المحافظين الجدد في واشنطن)، بالإعلان أن “هذا النظام انتهت صلاحيته. هذا النظام يحتضر، هناك صراع بدأ يستعر بين الأمريكيين وسوريا، وهذا يفسر لماذا أقول إن الأمريكيين قادمون سواء رحبنا بهم أم لم نرحب، ولكن لنتكلم موضوعياً، عندما يصاب الوضع الداخلي بالوهن، تتدخل القوى الخارجية، دعهم يطيحوا هذا النظام” (لم ينشر موقع “الرأي” ترجمة لهذه المقابلة). في موازاة هذا قام قيادي ووجه إعلامي في (الإخوان)، هو الطاهر إبراهيم، بالتكلم بلغة مشابهة: “ما تريده أمريكا قد يتقاطع في مرحلة ما مع مصلحة الشعب السوري، ولعل أول شيء ينبغي أن يخطر في بال المعارضة هو أن تلتقي وتبحث في ما بينها إن كان من الممكن أن تجري حواراً مع أمريكا، ما دام هذا الحوار يجري على مبدأ أن هذا النظام قد انتهت مدة صلاحيته””26”.

لا يعرف حتى الآن إن كان من تولى من السوريين أمر قيام “إعلان دمشق” قد تلقى إشارات دولية فعلاً بأن “النظام قد انتهت مدة صلاحيته”، أم أنهم قرؤوا ذلك من عندهم، حتى يقوموا بتأسيس “إعلان دمشق” الذي ينطلق من المقولة الواردة في نصه بأن”عملية التغيير قد بدأت”، وذلك قبل خمسة أيام من “تقرير ميليس” الذي توقع كثيرون أنه سيحدث تأثيرات زلزالية في دمشق.

في كل حال، كانت هناك إشارة أمريكية رسمية معاكسة أطلقت في بيروت قبل ثلاثة أيام من قيام “إعلان دمشق”: قالت (جولييت وور)، مديرة الشؤون العامة في السفارة الأمريكية في بيروت الكلمات الآتية، في أول رسم أمريكي رسمي لسياسة واشنطن تجاه “تغيير السلوك” بدلاً من “تغيير النظام” وهو ما أوضحَته كوندوليسا رايس في شباط/ فبراير 2006: “الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام في سوريا، بل إلى تغيير تصرفاته” (جريدة “السفير” عدد الجمعة 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2005)، محددة تلك التصرفات في ثلاثة أمكنة على التوالي: العراق، فلسطين (علاقاته مع”حماس” و”الجهاد”) ولبنان.

كان اللافت في نص “إعلان دمشق” هو مدى الانزياحات التي حصلت من خلاله عند يساريين ماركسيين وقوميين ناصريين وحتى إسلاميين من الحركة الإخوانية السورية: التعامل مع الشعب السوري من خلال “مكوناته”، كما في عبارة النص: “التوجه إلى جميع مكوِنات الشعب السوري” (نص وثيقة “إعلان دمشق”، موقع “الرأي”، تحديث يوم 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2005). عدم ذكر كلمات (أمريكا) و(إسرائيل) و(العراق) و(فلسطين) في النص، تقزيم انتماء سوريا العربي إلى “انتماء إلى المنظومة العربية” وكأنها في علاقتها مع العرب هي مثل علاقة هنغاريا وبولندا مثلاً حين كانتا في (منظومة حلف وارسو).

في نص 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2005 لـ”إعلان دمشق” ظهر، إضافة إلى الانزياحات السياسية، مدى التغيرات الفكرية (وإن كانت لم تؤدلج حتى ذلك الوقت) عند الموقعين (أو بعضهم على الأقل، ممن كان واعياً لمآلات تلك المقولات) على النص: الانتقال من”ديمقراطية المواطنة” التي أكدتها موضوعات المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي في شهر كانون الأول/ ديسمبر 1978 ثم تبنتها الوثيقة التأسيسية للتجمع الوطني الديمقراطي في كانون الأول/ ديسمبر 1979، إلى “ديمقراطية المكوِنات”، ما شكل انزياحاً نحو “ديمقراطية طوائفية – إثنية” كان يجري بناء نموذجين لها آنذاك، بوصفها “ديمقراطية توافقية”، في العراق وأفغانستان على يد المحتل الأمريكي. وقد بان في ذلك النص مدى الترابطات والطرائق التي تقود من (نظرية الصفر الاستعماري) و(نظرية الرياح الغربية)، بما تحويان من مراهنات على الخارج، إلى (ديمقراطية المكوِنات) التي قدمها ونظَر إليها (المحافظون الجدد) في واشنطن لتقديمها إلى مجتمعات اعتبروها تعاني “دولة فاشلة”، أرادوا بعد إطاحة الأخيرة، عبر نظريتهم حول “أفول السيادة”، أن يعيدوا صوغها عبر “صناعة الديمقراطية” في إعادة استبطان للمنظور المعرفي الاستشراقي بأن هذه المجتمعات عاجزة عن التغيير الداخلي، وليهتموا -كطريق موازٍ لذلك، في أثناء موجة 2003-2006 بـ”المجتمع المدني “وبرعاية” المنظمات غير الحكومية التي أغدقت عليها أموال غزيرة من القنوات الغربية”27″.

اصطدم “إعلان دمشق” بالحائط لما لم تتحقق المراهنات على اهتزاز النظام أو سقوطه، إلا أن هذا لم يوقف القوى الفاعلة فيه عن الاستمرار في النهج نفسه الذي تجسد ثانية في “إعلان بيروت دمشق” (منشور في “السفير”، عدد 12 أيار/ مايو 2006)، المكتوب في بيروت والمرسل إلى دمشق “معلباً” للتوقيع عليه، وعند مقارنته بقرار مجلس الأمن رقم 1680، الصادر بعد خمسة أيام في 17 أيار/ مايو (يوجد نصه في “السفير”، 18 أيار/ مايو) الذي ظل يسعى إليه السفير الأمريكي جون بولتون أشهر في نيويورك، لا يملك المرء سوى السؤال عن سر هذا التشابه في النصين في ما يخص موضوع العلاقات السورية- اللبنانية، إلى أن وصل هذا النهج إلى ذروة جديدة، أيضاً في حرب تموز/ يوليو 2006، حين أصدرت اللجنة المركزية لـ(حزب الشعب الديمقراطي السوري) بياناً في يوم 17 تموز/ يوليو 2006 (منشور في موقع “الرأي” بتحديث اليوم نفسه) وصفت فيه متغيرات نشوب حرب تموز/ يوليو بالعبارات الآتية: “يأتي هذا العدوان على خلفية أسر جنديين إسرائيليين وجدت فيه إسرائيل ذريعة للقيام بعمليات قتل وتدمير للشعب اللبناني وبناه التحتية، يتجاوز في أهدافه ومراميه عملية الإفراج عنهما، ويدخل في إطار تصاعد وتيرة الصراعات الإقليمية وأهداف اللاعبين فيها ومصالحهم، وهي تجعل من لبنان ساحة للصدام والمواجهة في حرب مفتوحة، قد تفضي إلى تداعيات تتجاوز الساحة اللبنانية، وتدخل المنطقة في المجهول”، وذلك في وقت اجتمعت فيه نزعة أمريكية في الحزب المذكور، كما عند (قوى 14 آذار اللبنانية)، مع عدائية قوية لـ”المد الإيراني” الذي جرى ربطه بما يسمى باتجاهات عملية تشكل “الهلال الشيعي”.

كان انتهاء حرب تموز في يوم 14 آب/ أغسطس 2006 من دون قدرة إسرائيل على تحويل تلك الحرب إلى “آلام مخاض ضرورية لولادة الشرق الأوسط الجديد”، على حد وصف كوندوليسا رايس للحرب في أسبوعها الأول، بداية انحسار المد الأمريكي، موتاً لجنين “الشرق الأوسط الجديد” الذي بدأ الحمل به في يوم 9 نيسان/ أبريل 2003 في بغداد، وقد كان اجتماع المأزق الأمريكي في العراق الذي بلغ الذروة عام 2006 مع تحرك تصاعدي لمقاومة حركة طالبان الأفغانية ضد قوات الأطلسي منذ آذار/ مارس 2006 ثم ما تولد نتيجةً لحرب تموز/ يوليو، مؤدياً إلى أن يقود هذا المثلث إلى انتهاء المد الهجومي الأمريكي على المنطقة وإلى وضع واشنطن في حالة دفاعية.

قاد إدراك الولايات المتحدة لمرحلة جزر مشروعها وانتهاء مده إلى تخليها عن “التبشيرية الديمقراطية” واتجاهها إلى تبني رؤية للمنطقة تقسمها إلى “معتدلين ومتطرفين” منذ زيارة رايس إلى المنطقة في تشرين الأول/ أكتوبر 2006وهذا ما أراح أنظمة “الاعتدال”في القاهرة والرياض بعد أن اهتزت علاقتها بواشنطن نتيجة الرؤية الأمريكية الجديدة للمنطقة في مرحلة (ما بعد11 أيلول/ سبتمبر).

مع هذا كله، لم يحصل في دمشق عند الذين راهنوا على المشروع الأمريكي أي مراجعة بعد انتهاء المد الهجومي لواشنطن في المنطقة، على الرغم من تقديم أحد المحافظين الجدد الأمريكيين في نهاية عام 2006 للتوضيحات الآتية حول ما رآه في أهداف السياسة الأمريكية تجاه المعارضة السورية: “بدت سوريا هي التالية في أجندات الإدارة لإصلاح الشرق الأوسط الكبير، على الرغم من أنه بات واضحاً أن الأمر كله كان جهداً من قبل واشنطن لإيقاع المعارضة السورية في شرك لم يكن يهدف إلى أكثر من الضغط على الحكومة السورية لكي تتصرف وفق ما كانت الولايات المتحدة تريده”، وفقاً لكلام جوشوا لانديس في مجلة “تايم” العدد 19 كانون الأول/ ديسمبر 2006 (النسخة الإلكترونية للمجلة:www.time.com)، وقد بان استمرار الأستاذ الترك ومن معه في “إعلان دمشق” على مواقفه السابقة خلال مجرى عام 2007 حين رفض خلال أربعة أشهر من التحضير لـ”المجلس الوطني لإعلان دمشق” (الذي انعقد في1 كانون الأول/ ديسمبر 2007) إيراد إشارة بالعتب، لا نقول التنديد بجرائم المحتل الأمريكي والصهيوني، على الرغم من توسل بعض الموقعين على الإعلان (“الاتحاد الاشتراكي” و”حزب العمل الشيوعي”) من دون طائل، ما أحرجهم أخيراً فأخرجهم منه زرافات ووحداناً” بحسب تعبير الدكتور منذر سليمان في صحيفة “القدس العربي” عدد يوم 29 كانون الأول 2007، في إشارة من الدكتور سليمان (في مقال بعنوان “رداً على صبحي الحديدي”) إلى إسقاط الأستاذ الترك وحلفائه لمرشحي “الاتحاد الاشتراكي” و”حزب العمل” في انتخابات قيادة ذلك المجلس، وذلك بعد أن طالبوا خلال التحضيرات بتضمين مشروع وثيقة المجلس موقفاً مضاداً من “المشروع الأمريكي للمنطقة”، وهو -أي هذا النهج الذي سيطر على زمام المعارضة السورية منذ عام 2004- ما بان بوضوح في يوم 23 كانون الأول/ ديسمبر 2007 (تصريح لـ”وكالة قدس برس”) لما أعلن رياض الترك شكره لـ”الرئيس جورج بوش على تضامنه مع شعبنا وأدعو أن يكون جوهر تدخله مساعدة الحركات الديمقراطية لتصبح قوة داخلية للتغيير الديمقراطي” (منشور في24 كانون الأول/ ديسمبر 2007 في موقع “إعلان دمشق”: www.damdec.org).

  • استنتاجات ..

لم يكن هناك سابقة في التاريخ العربي الحديث، على الرغم من وجود حالات عوَلت على الأجنبي ضد أبناء جلدتها مثل الخديوي توفيق مع الإنكليز ضد وزير دفاعه أحمد عرابي في 1882 أو الأسرة الهاشمية التي عادت إلى القصر الملكي في بغداد في يوم 1 حزيران/ يونيو 1941 بعد هزيمة القوات البريطانية لقوات رئيس الوزراء العراقي رشيد عالي الكيلاني، لظاهرة (نزعة الاستعانة بالخارج) التي انتشرت بقوة في أكثر من بلد عربي بين عامي2002 و2007، وبالذات من حيث التنظير والأدلجة والتسويغ السياسي للاعتماد على الأجنبي من أجل إحداث تغييرات محلية.

كان اللافت في تلك الظاهرة المستجدة هو قوتها بحيث سادت قوى المعارضة العراقية في عامي 2002 و2003، وقوى المعارضة اللبنانية في عامي 2004 و2005ضد دمشق وحلفائها في بيروت، وقوى المعارضة السورية بين عامي 2004 و2007.

كانت إحدى السمات الأساسية لهذه النزعة في (الاستعانة بالخارج)، أي الأمريكي هنا، هو وجودها عند حركات اعتادت (من زمن حالتها الماركسية، وقبل انتقالها للبس اللبوس الأيديولوجي الجديد) على التعويل والاستناد في زمن الحرب الباردة إلى موسكو.

هنا، يلاحظ أن التعويل على (الأمريكي)، باعتبار أن الموقف مما قامت به واشنطن في العراق المغزو والمحتل يمثل “التناقض الرئيس” في تلك المرحلة العربية، كان يؤدي بحامليه إلى الانزياح عن رزمة كاملة من المواقف (وبعضهم عن أيديولوجيات) باتجاه رزمة من المواقف الجديدة مغايرة للأولى تشمل مروحة واسعة من الموضوعات: (علاقة الداخل بالخارج، مفهوم السيادة، العروبة، فلسطين، الشعب هل يتكون من مواطنين أم من مكوِنات دينية وطائفية وإثنية؟ …إلخ).

في العراق كان ما يجمع المراهنين على الأمريكي، مع عدد من نظرائهم السوريين، هو النزعة الثأرية و”اتخاذ الحقد مرشداً للسياسة “بعكس قول لينين الشهير، ونزعة معارضة يتملكها القهر، وربما كانت كثير من هذه الملامح واضحة عند عدد أيضاً من قوى(14) آذار اللبنانية، ليؤدي هذا إلى ميول لا تلوي على شيء ولا يحكمها هاجس تجاه أي وسائل يمكن أن تؤدي إلى إسقاط الأنظمة أو الأوضاع القائمة.

كان اللافت للنظر أيضاً، هو وجود ما يمكن تسميته بـ(النزعة الالتحاقية) بالخارج الأجنبي، من أجل إحداث تغييرات داخلية ضد طرف محلي آخر موجود في السلطة، في مجتمع متماسك مثل المجتمع السوري، ولو عند ساسة ومثقفين معارضين لم يكونوا يملكون آنذاك امتداداً قوياً في المجتمع: هذه (النزعة الالتحاقية) وجدناها في مجتمعات كانت تعاني حالة (اللا اندماج الاجتماعي)، كما في العراق والسودان وأفغانستان في التسعينيات، فيما كانت ظاهرة مستجدة في سوريا ذات الحساسية الجمعية القوية في موضوعات (العروبة) و(فلسطين) و(أمريكا) و(إسرائيل).

 الهوامش

1-     BOB WOODWARD:”STATE OF DENIAL”,pocket books,2007,an imprint of SIMON&SCHUSTER – UK ltd,LONDON,2006,PP.83-85.

2-     سلسلة مقابلات مع عبد الغني الراوي أجراها غسان شربل ونشرت في جريدة “الحياة” بأربعة أجزاء في(7-8-9-10 تموز/ يوليو 2003) يروي فيها تفاصيل اجتماعات مع الشاه ورئيس المخابرات الإيرانية- السافاك الجنرال نعمة الله نصيري لإقرار خطة الانقلاب، وهو أمر تؤكده سلسلة أوراق لعبد الرزاق النايف (اغتيل في لندن عام 1980) نشرها غسان شربل في “الحياة” (3-4-5-6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003).

3-     هناك أسماء المبعدين العشرين من الترشح، قبل انتخابات اللجنة المركزية الجارية في المؤتمر الرابع، ثم أسماء الثمانية الذين سقطوا في تلك الانتخابات، منشورة في كتاب: صلاح الخرسان: “صفحات من تاريخ الحركة الشيوعية في العراق”، دار الفرات، بيروت، ط 1، 1993، ،ص 200-202: لا يتحدث الخرسان، وهو مؤيد لقيادة الحزب الرسمية عن أسباب الإبعاد والسقوط الانتخابي، وهو غير مسبوق بين مؤتمرين في تاريخ الأحزاب الشيوعية، إلا أن الدكتور عبد الحسين شعبان (في: “الجوهر وجدلية الأمل والقنوط”. كلمة ألقيت في احتفالية الذكرى العاشرة لرحيل عامر عبد الله، المقامة في لندن يوم 15 أيار/ مايو 2010. منشورة في موقع “الأفق الاشتراكي” بتحديث يوم 4 حزيران/ يونيو2010.

WWW.SOCIALISTHORIZON.NET) يقول شارحاً: “كانت قد نضجت وإن ببطء لدى عدد من الرفاق فكرة اعتراضات واحتجاجات بدأت تتسع، بصدد الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية، وبخاصة عندما انتقلت إلى الأراضي العراقية منذ أيار/ مايو 1982، وهو ما كنت أول المبشرين به، إضافة إلى سعدي يوسف ومهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق وخالد السلام وفي ما بعد باقر إبراهيم وحسين سلطان وعبد الوهاب طاهر وعدنان عباس وآخرين”. يذكر الخرسان (ص199) اسم القرية: زويكة، في محافظة أربيل (كان مقر قيادة حزب البرزاني في طهران آنذاك:عبد الحسين شعبان: “تعقيباً على تعقيب باقر إبراهيم”، موقع “الحوار المتمدن”- لندن، تحديث يوم 18 حزيران/ يونيو 2007 www.rezgar.com)

4-     سعدي يوسف: “قرن أم نصف قرن؟”، جريدة “السفير”، 13 آب/ أغسطس 2006.

5-     رفض المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي في عام 1993 اقتراح القيادي الشيوعي القديم زكي خيري بـ”تأييد رفع الحصار الاقتصادي من دون قيد أو شرط” عن العراق: زكي خيري: “صدى السنين”، طبعة 1996، من دون مكان أو جهة الطبع، ص353

6-     عبد الحسين شعبان :”الجوهر و.. “

7-     “هكذا نفهم الشراكة”، رداً على رد كميل داغر، من (ممثلية المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق- المكتب الإعلامي- بيروت)، “السفير”، 30 أيلول/ سبتمبر 2002

8-     جريدة “الرأي” (ناطقة باسم الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي)، العدد 14، تشرين الثاني/ نوفمبر 2002، ص 19

9-     جريدة “السفير”، 16 كانون الأول/ ديسمبر 2002

10-   “السفير”، 16 كانون الأول/ ديسمبر2002

11-   جاد الكريم الجباعي: “تهافت الدفاع عن العراق”، موقع “أخبار الشرق” لندن، تحديث يوم 24 كانون الأول/ ديسمبر 2002 www thisissyria net

12-   منى نعيم: “مأزق المثقفين السوريين”، منشور في جريدة “اللوموند”، مترجم في جريدة “النور” (الحزب الشيوعي السوري بقيادة يوسف فيصل)، 12 آذار/ مارس 2003

13-   “السفير”، 7 شباط/ فبراير 2003

14-   “السفير”، 3 أيار/ مايو 2003

15-   “السفير”، 5 أيار/ مايو 2003

16-   جريدة “الحياة”، 4 أيار/ مايو 2003

17-   سمير قصير: “كيف تنسحب سوريا”، “النهار”، 9 أيار/ مايو 2003

18-   برهان غليون: “المعارضة العربية بين الوطنية والديمقراطية”، موقع “أخبار الشرق”، لندن، 26 أيار/ مايو 2003  WWW THISISSYRIA NET

19-   في مقال بعنوان: “الإصلاح مجرد سوء تفاهم”: في هذا الصدد، هل من المشروع، هنا، التساؤل عن سبب تزامن تحولات الدكتور غليون، القريب من دوائر فرنسية عدة، مع تحولات الرئيس شيراك، بعد قليل من انتهاء حرب العراق التي كان معارضاً لها، وسعيه منذ خريف 2003 مع الأمريكيين لإقناعهم بإطاحة النظام السوري، كما يكشف كتاب (فنسان نوزي):”في سر الرؤساء”، الصادر في باريس عام2010، وهو-أي الدكتور غليون- بالمناسبة عاد وغيَر رأيه عام 2007 مع تغيرات ساركوزي تجاه دمشق؟

20-   موقع “الرأي”، 29 أيلول 2003، في حوار أجراه حكم البابا مع رياض الترك، نُشر في “النهار” يوم 28 أيلول/ سبتمبر 2003  WWW ARRAEE COM

21-   “السفير”، 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003

22-   “(حديث لـ”راديو سوا” نشرت “السفير” مقاطع منه في عدد 14 كانون الأول/ ديسمبر 2004)

23-   توجد ترجمة لها في”السفير”، يوم 9 شباط/ فبراير 2005

24-   برهان غليون: “أي منهج لمواجهة أزمة الشرق الأوسط؟”، موقع “الرأي”، تحديث يوم 5 كانون الأول/ ديسمبر 2004

25-   منذر بدر حلوم: “بين وطنية الاستبداد وعمالة الديمقراطية”، مقال في “السفير”، 17 آذار/ مارس 2005

26-   الطاهر ابراهيم: “خارج السياق وبعيداً عن المزايدات”، موقع “الرأي”، تحديث يوم 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2005

27-   تحدثت “السفير” (26 آذار/ مارس 2005) عن جهاز (ميبي) في وزارة الخارجية الأمريكية المنبثق من “مبادرة الشراكة مع الشرق الأو سط”\\MEPI9 حزيران/ يونيو 2004) الذي “مهمته الأساسية البحث عن إصلاحيين في المنطقة في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية في برامجه التي بلغت تكلفتها الإجمالية في المنطقة 300 مليون دولار”

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”

شاهد أيضاً

التهديد التكفيري الجهادي التحديات الحالية والمستقبلية؟؟

|| Midline-news || – الوسط … على الرغم من خسارة  الدولة الإسلامية” داعش ”  للأراضي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *