أهم الأخبار
الرئيسية / رأي / مأساة الروهينغا .. بين الإسلاموفوبيا والبروباغندا .. بقلم نجيب بكوشي ..

مأساة الروهينغا .. بين الإسلاموفوبيا والبروباغندا .. بقلم نجيب بكوشي ..

|| Midline-news || – الوسط  – خاص ..

عادت من جديد قضيّة أقليّة ” الروهينغا ” بإقليم ” أراكان ” (راخين) في دولة “ميانمار ” لتشغل الرأي العام العالمي ، خاصّة بعد صدور التقرير النهائي لعمل لجنة الأمم المتّحدة لتقصّي الحقائق حول تعرّض هذه الأقليّة العرقيّة إلى إنتهاكات خطيرة .

اللجنة التي يرأسها الأمين العام السابق للأمم المتّحدة كوفي عنان والتي عينتها مستشارة الدولة في ميانمار وصاحبة جائزة نوبل للسلام ، أون سان سو تشي ، العام الماضي ، أقرّت بأنّ حوالي (10%) من مجموع سكّان البلاد البالغ 51 مليون نسمة هم من عديمي الجنسيّة ، أغلبهم من أقليّة الروهينغا ، فبموجب قانون عنصري أقرته الطغمة العسكرية الحاكمة في ميانمار سنة 1982 ، تمّ حرمان نحو مليون شخص من الروهينغا من حق المواطنة ، وتصنيفهم على أنّهم مهاجرين غير شرعيين قادمين من بنغلادش .

الخطأ الشائع عند أغلب المحلّلين عند تناولهم لقضية الروهينغا ، هوّ تصنيفها على أساس أنّها أقليّة دينيّة ، في حين أنّها أقليّة عرقيّة ، يقدّر عدد أفرادها بحوالي مليون وثلاث مائة ألف نسمة ،  (90%) منهم من المسلمين وحوالي (9%) من الهندوس ،  يعود بعضهم إلى أصول عربية وفارسية أمّا أغلبهم فقد قدموا من جنوب بنغلادش في أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر خاصّة بعد الإحتلال البريطاني لبورما (الإسم السابق لميانمار) سنة 1824 وإلحاقها إداريا وعسكريّا بحكومة الهند البريطانية .

تكوّنت بورما تاريخيّا من فسيفساء عرقيّة ودينيّة ، ومن أهمّ العرقيات المكوّنة لها ؛ البورمية (68%) ، ثم الشاس (9%) ، والكارين (8%) ، والراخين (5%) ، والروهينغا (2%) . أمّا الديانات فحسب إحصائيات الدولة الرسميّة ، يشكّل البوذيون (88%) من مجموع السكّان ، ويمثّل المسيحيون (6%) ، وتبلغ نسبة المسلمين (5%) فقط ، في حين يرى مراقبون عن هيئات غير حكومية أنّ نسبة المسلمين تتجاوز (15%) .

إعتمدت بريطانيا الإستعمارية طيلة 124 عاما من إحتلالها لبورما على سياسة فرّق تسدّ بين مختلف العرقيات والأديان ،  ممّا تسبب في نشوب حروب إبادة بين مختلف الإثنيات البورميّة وخاصّة بين عرقيّة الروهينغا ذات الأغلبيّة المسلمة وعرقيّة الراخين ذات الأغلبيةّ البوذية اللتان تتصارعان منذ عقود من أجل السيطرة على إقليم ” أراكان ” سابقاً ” راخين ” حاليّاً . وإتّخذ  الصراع بين البورميين شكلا دينيّاً حادّاً خاصّة خلال الحرب العالمية الثانية ، حيث تحالف جزء كبير من الأغلبية البوذية بقيادة ” ميليشيا الرفاق الثلاثين – جيش الاستقلال البورمي ” مع الإستعمار الياباني في حين تحالفت الأقليّة المسلمة مع الإستعمار البريطاني .

بعد هزيمة اليابانيين خلال الحرب العالميّة الثانية ، منحت بريطانيا الإستقلال لدولة بورما سنة 1948 ، ونصّت وثيقة الإستقلال على تعهّد دولة بورما بإستفتاء الأقليات العرقيّة حول مصيرها بعد عشر سنوات من رحيل المستعمر البريطاني ، لكن الحكومات البورمية المتعاقبة لم تحترم هذا التعهّد .

رغم عدم إعتراف دولة الإستقلال بالروهينغا كأقليّة عرقيّة بورميّة إلاّ أنّ الروهينغيين تمكنوا من المشاركة في الإستحقاقات الإنتخابيّة التي شهدتها البلاد من 1948 إلى 1962 ، وحصلوا على عدّة مقاعد في البرلمان ، لكنّ الإنقلاب العسكري الذي قاده الجنرال نيو وين سنة 1962 وضع حدّا للتجربة الديمقراطية الحديثة وأخضع البلاد لحكم طغمة عسكرية تواصلت سطوتها إلى حدود سنة 2011 .

لم تكن الروهينغا وحدها ضحيّة قمع الدكتاتورية العسكرية في بورما ، وليست العرقية الوحيدة التي تمرّدت على الحكومة المركزية وطالبت بإستقلالها ، فبورما/ميانمار طيلة عقود من الزمن كانت ولا زلت دولة الأقليات المضطهدة ومن أهمّها ؛

  • أقليّة ” الشان ” المجاورة للصين والتي طالبت بإنفصالها منذ فجر الإستقلال ولها فصيل مسلّح يسمّى ” جيش دولة الشان ” يضمّ عشرات الألاف من المقاتلين والذي أمضى مؤخّرا إتفاق هدنة مع الحكومة المركزية ، ولكنّه مازال يسيطر على أراض شاسعة متاخمة للصين ، وتجدر الإشارة إلى أنّ (82%) من عرقية الشان بوذيون ، و(10%) مسيحيون ، و(7%) مسلمون ،  ممّا يدلّ على أن الصراع في ميانمار جوهره ليس دينيا بل عرقيا .
  • ومن الأقليات المضطهدة كذلك عرقية ” الكاشين ” وهي تنحدر من التبت وأغلبها من المسيحيين ولها مليشيات مسلّحة تسمّى ” جبهة تحرير كاشين “.
  • وتوجد في المنطقة الشرقية كذلك أقليّة ” الوا ” التي تستخدم لغة ” المندرين ” الصينية كلغة ثانية ولها فصيل مسلّح يسمّى ” جيش دولة واو المتّحدة ” .
  • دون أن ننسى كذلك معاناة الأقليات الأخرى الأقلّ عددا وهي ؛ ” المون ” و ” الكاريني ” و ” تشين ” ، الموزّعين في كافة أنحاء البلاد .

طرفان أساسيان مستفيدين من جعل قضيّة أقليّة الروهينغا قضيّة صراع ديني ، بين المسلمين والبوذيين ؛

  • الطرف الأوّل هو نظام بورما/ميانمار الذي يحاول خلق وحدة وطنيّة عبر توحيد كلّ العرقيات البورميّة حول الديانة البوذية بإعتبارها ديانة الأغلبية في كلّ الإثنيات تقريبا بإستثناء عرقيّة الروهينغا ذات الأغلبية المسلمة . ولتبرير سحب الجنسية البورمية من أكثر من مليون مواطن من أقليّة الروهينغا بعد صدور قانون الجنسيّة العنصري سنة 1982 ، عمد الجيش البورمي الماسك بزمام السلطة ، إلى تشجيع رهبان بوذيين متطرّفين على ترويج خطاب معاد للإسلام و يدعو صراحة لكراهيّة المسلمين وضروة إستئصالهم والدفاع عن نقاوة العرق والدم البورميين ،  وقد أسّس هؤلاء الرهبان حركات دينية متطرّفة تحرّض على المسلمين خاصّة من أقليّة الروهينغا ، من أهمّها حركة 969 الّتي أسّسها سنة 1999 الراهب المتطرّف ” كياو لوين ” ، وإنضمّ إليها سنة 2001 الراهب العنصري المتطرف صاحب النفوذ السياسي القويّ ” آسين واراثو ” الملقّب بـ” بن لادن بورما ” بسبب نزعته الدمويّة .

دفع التطرّف الديني البوذي حكومة بورما/ميانمار إلى إصدار قوانين عنصريّة كانت محلّ تنديد وإستنكار من طرف المنطّمات الحقوقية في العالم وكذلك الأمم المتّحدة من أهمّها ؛ قانون تغيير الأديان وقد جاء بعد ضغط كبير من الرهبان البوذيين لمنع تحوّل البوذيين عن البوذيّة ووضع حدّ للمدّ الإسلامي ، ويقضي القانون المعادي لأبسط حقوق الإنسان في حريّة المعتقد والضمير بضرورة موافقة عدة دوائر حكومية على طلب تغيير الديانة وتشمل وزارة الشؤون الدينية والهجرة والإسكان والتعليم وشؤون المرأة ، ومخالفة هذا القانون تؤدّي بصاحبها إلى عقوبة بالسجن تصل إلى مدّة عامين ، وقانون الرعاية الصحية وتنظيم النسل والّذي سوف يقع إستغلاله لإجبار بعض النساء في إقليم أراكان على إنجاب طفل واحد كلّ ثلاث سنوات بتعلّة أنّ معدّلات الإنجاب عند المسلمين مرتفعة جدّا .

  • أمّا الطرف الثاني الذي يدافع على فكرة التناحر الديني ويعمل على أسلمة قضيّة الروهينيغا ويروّج لشعار ” أركان للروهينغيا المسلمين ” مقابل شعار ” أركان للرّاخين البوذيين ” ، هوّ تيّار الإسلام السياسي من حركة طالبان إلى جماعة الإخوان المسلمين ، مرورا بتنظيم القاعدة وداعش وحزب التحرير وجماعة أبو سيّاف الفلّبينيّة .

هذه المجموعات إستعملت مأساة الروهينيغا كمادّة إعلاميّة للبروباغاندا لإستقطاب الشباب المسلم إلى صفوفها ، حيث عمدت إلى تلفيق صور وتركيب فيديوهات لزلازل أو كوارث طبيعية أو حروب في مناطق أخرى وترويجها على أساس أنّها مجازر إرتكبها جيش بورما/ميانمار والبوذيين ضدّ المسلمين الروهينيغا ، وهو ما أساء لعدالة قضيّة هذه الأقليّة المضطهدة وأثار ريبة وشكوك عديد الملاحظين حول مدى صدقيّة ما يرتكب في حقّها من إنتهاكات .

ويتجاهل هؤلاء تعسّف دولة بنغلادش المسلمة على اللاجئين الروهنغيين الفارين من جحيم الجيش البورمي والميليشيات البوذية المتطرّفة ، حيث ترفض حكومة دكّا منحهم حقّ اللجوء على أراضيها ، بل فكّرت سنة 2015 في توطينهم بعيدا عن البنغاليين في جزيرة نائية واقعة في إقليم هاتيا تكون تحت الماء لأغلب السنة ، قبل أن تتراجع أمام ضغط المنظّمات الحقوقية .

كذلك دولة ماليزيا المسلمة ترفض رفضا باتّا إستقبال اللاجئين الروهينغا وتطارد شرطتها مدعومة بميليشيات من المواطنين الماليزيين ، المقيمين غير الشرعيين منهم دون رحمة .

المشكّكون في مأساة أقليّة الروهينغا عليهم الإطّلاع على تقارير الأمم المتّحدة حول هذه المظلمة منذ خمسينات القرن الماضي ، وآخرها التقرير الذي أعدّه الأمين العام السابق كوفي عنان ، والذي إعترف فيه أنّ (10%) من سكّان بورما/ميانمار محرومين من الجنسيّة ولا يحملون بطاقات هويّة وأغلبهم من هذه الأقليّة المشرّدة في وطنها ، وكذلك إقرار المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يوم الثلاثاء 5 سبتمبر  2017 بفرار أكثر من 123000 من الروهينغا خلال الأيّام الأخيرة إلى بنغلادش . \

وكذلك الإطّلاع على التقرير الذي أعدته مجموعة الأزمات الدولية يوم الإربعاء 6 سبتمبر 2017  ويحمل عنوان “ البوذية في ميانمار وسلطة الدولة ” والذي تطرّقت فيه إلى فشل حكومة بورما/ميانمار في التصدّي للمجموعات البوذية المتطرّفة التي تغذي العنف والكراهية ضد الروهينغا في إقليم  أراكان .

وعلى المشككين كذلك أن يعلموا انّ الدلاي لاما الزعيم الروحي للبوذيين في التبت كان قد ندّد سابقاً بجرائم الرهبان البوذيين المتطرفين وتحريضهم على أقلية الروهينغا ، وان بابا الفاتيكان عبّر عن تعاطفه مع الروهنغيين وقال ” أخباراً حزينة وصلت حول اضطهاد الأقلية الدينية لإخواننا الروهينغا . وأرغب في أن أعبر لهم عن كامل تعاطفي معهم ، وجميعًا نطلب من الرب يسوع أن ينقذهم ويلهم ذوي الإرادة الحسنة من الرجال والنساء لمساعدتهم على ضمان احترام حقوقهم ” .

هل كل هؤلاء يتآمرون على أمن دولة بورما/ميانمار !؟.

هل أجندات بعض الدول الكبرى والإقليمية الداعمة لمجموعات إرهابيّة تجعلنا نصمت على إبادة شعب صغير يتعرّض إلى أبشع انواع القهر التنكيل !؟.

أمّا فرضيّة وجود خطّة لنقل الإرهابيين من سوريا والعراق وخلق بؤرة توتّر في إقليم أراكان فهي فرضيّة مستحيلة ،  لأنّ نظام بورما/ ميانمار واجهته هيّ أونغ سان سو تشي زعيمة حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية وصاحبة جائزة نوبل للسلام والمدعومة من الولايات المتّحدة وفرنسا و بريطانيا ولها علاقات متميزة ومصالح مشتركة مع الصين والهند ، زد إلى جانب ذلك لدولة بورما/ميانمار علاقات متطوّرة جدّا مع دولة إسرائيل التي تعود إلى زمن حكم الطغمة العسكرية حيث كانت ولا زالت من أكبر المزوّدين لها بالأسلحة .

حذاري ، صمت العالم أمام مأساة أقليّة الروهينغا قد يرمي بها بين براثن الإرهاب والتطرّف .

*باحث وكاتب سياسي تونسي – باريس

Like
Like Love Haha Wow Sad Angry
13

شاهد أيضاً

د . محمد سيد أحمد – عمرو موسى .. عندما يتطاول الصغار !!

|| Midline-news || – الوسط  .. هناك ملايين القصص والحكايات والرويات الكاذبة والملفقة وكذلك الإدعاءات …

تعليق واحد

  1. جمال الدين المستيري

    مقال ممتاز و مفيد و لكن أختلف معك في نقطة واحدة و هي أنك عندما ذكرت المستفيدين من هذه الأزمة و كأنك ساويت بين من كان سببا في الأزمة ( سن قوانين عنصرية قتل تشريد …) و بين بعض السلوكيات الفردية كردة فعل مثل تركيب فيديوهات أو ما شابه وهي تصرفات ليست من جهات رسمية .
    شكرا على المقال مرة أخرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *