أهم الأخبار
الرئيسية / دراسات وأبحاث / ممدوح الطباع – أثر العقوبات على الواقع المعيشي والاجتماعي للأسرة السورية .. – 3 –

ممدوح الطباع – أثر العقوبات على الواقع المعيشي والاجتماعي للأسرة السورية .. – 3 –

|| Midline-news || – الوسط  – خاص ..

في الواقع، إن العقوبات والضغوطات الاقتصادية الغربية والعربية أثرت بشكل سلبي وكبير على الواقع الاقتصادي والمعيشي للمواطن وللأسرة السورية،وكان هذا الأثر واضح عبر الكثير من المؤشرات الكلية والجزئية للواقع المعيشي، من ارتفاع كبير للأسعار ونقص حاد في المواد الأساسية وتضخم السوق السوداء، وانخفاض مستويات الاستهلاك والاستثمار، وتزايد البطالة، وارتفاع مستويات الفقر، ومنسوب الخدمة الصحية والتربوية والاجتماعية، ناهيك عن وجود جيل سوري متأثر نفسياً بهذه الأوضاع.

إن هذه العقوبات أضرت بالجهد التراكمي للأسرة السورية وللمواطن السوري، حيث أن هذا الجهد أدى إلى قدرة عالية لجعل الاقتصاد السوري قادراً على تحقيق نسب 90% من أمنه الغذائي الناتج من القطاع الزراعي، مترافقاً مع نمو في القطاع الصناعي الذي حقق نجاحاً بنسبة 65% من احتياجاته التحويلية، وحوالي ال 50% من احتياجاته الأساسية، الأمر الذي أدى إلى تحقيق نسبة مرتفعة من  الحاجات المطلوبة بالوقت نفسه من المادة الدوائية، والتي بلغت نسبة التغطية المحلية فيها إلى نسبة 85% مع قدرات تصديرية في القطاع نفسه وصلت إلى 60 دولة من العالم.

المؤشرات الاقتصادية للأسرة السورية قبل فرض العقوبات ..

كانت المؤشرات الأممية تدل على المكانة التالية لسورية قبل العقوبات والأزمة :

  • الدولة  رقم 55 في العالم من أصل 175 دولة من حيث عدد السكان.
  • الدولة رقم 69 بين دول العالم من حيث الدخل الوطني.
  • الدولة رقم 102 من بين دول العالم من حيث حصة الفرد من الدخل الوطني.
  • الدولة رقم 106 من بين دول العالم  من حيث سلم التنمية البشرية.

كانت الأسرة السورية تتمتع بواقع معيشي و اقتصادي قبل العقوبات يقدر بالمقبول، فقد كان له هامش كبير من الرفاهة المعيشية استطاع المواطن السوري أن يحصل عليها نتيجة النمو الاقتصادي الذي عاشته سورية مابين فترة عامي 2004 إلى 2009. وقد بيّنت دراسات تابعة للمكتب المركزي للإحصاء في عام 2009 عبر مسح شامل للواقع المعيشي الأسرة السورية، أنّ متوسط إنفاق الأسرة السورية يبلغ نحو 30.9 ألف ليرة بزيادة تصل لنحو 20%  مقارنة بمتوسط إنفاق الأسرة السورية عام 2007، و الذي بلغ آنذاك نحو 25.9 ألف ليرة، حيث تم تقسيم الأسر السورية في المسح إلى 10 شرائح وفق مستوى الإنفاق وتحديد المستويات من الأقل إنفاقاً إلى الأعلى إنفاقاً.

كما كان قد ارتفع متوسط دخل الفرد السوري من 60 ألف ليرة سورية إلى 75 ألف ليرة سورية خلال الأعوام الخمسة الممتدة من 2005 إلى 2010 وهو ما يعادل بسعر الصرف وقتها من 1200 دولار إلى 1500 دولار بزيادة 40% تقريبا وهو ما يعتبر مؤشر جيد جدا وقتها.

وعلى الرغم من أن الدخل المباشر لم يكن يكفي احتياجات الأسرة السورية والتي تقدر بـ 80 ألف ليرة سورية، إلا أن سياسات الدعم الحكومي للطاقة والخبز وبعض المواد التموينية والخدمات المجانية في قطاعي الصحة والتعليم كانت كفيلة بسد النقص في احتياجات الأسرة والتعويض عن الواقع المعيشي الصعب الذي كان بسبب بعض العقوبات الاقتصادية على الاحتياجات غير الضرورية في مرحلة ما قبل الأحداث.

واقع الأسرة السورية بعد فرض العقوبات ..

فرضت العقوبات الاقتصادية على سورية واقعاً جديداً في حياة الأسرة السورية على جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية، وعلى مجمل العلاقات البينية بين أفراد الأسرة، الأمر الذي تجلى في واقع المعيشة وفي انخفاض مستوى الدخل والاستهلاك، لتصبح الأسرة في حالة البحث الدائم الصعب عن مقومات العيش الكريم، مترافقاً ذلك مع آثار سلبية على واقع المرأة والطفولة و أصحاب الاحتياجات الخاصة بشكل مباشر وحاد، ويعود ذلك بما نراه من الواقع الذي تمر به الأسرة السورية، والذي تتحدث عنه تقارير عديدة من منظمات العمل الإغاثي التابعة للأمم المتحدة كالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين التي تحدثت في العديد من تقاريرها عن الأعداد الكبيرة للاجئين السوريين الذي يصنفون بأنهم غير قادرين على إيجاد مأوى أو طعام أو ماء!! في إطار ما يدور من أعمل عنف داخل البلاد، وبسبب سوء الظروف المعيشية لتدهور الأوضاع الاقتصادية أيضاً.

الغذاء :

تصدرت السلة الغذائية المرتبة الأولى من حيث نسب إنفاق الأسرة السورية بحسب مسح خاص بالمكتب المركزي للإحصاء التي تصل إلى 45% من إجمالي الدخل وتشير بعض الدراسات إلى بلوغها 80%، ويأتي التعليم والصحة في المرتبة الثانية لتصل النسبة إلى 75%، رغم أن بعض الدراسات تشير إلى أن بدل إيجار السكن يقارب نسب إنفاق الأسرة على الغذاء جراء ارتفاع أجور السكن وتحول موضوع تملّك منزل إلى حلم وبمثال بسيط إذا كان راتب الفئة الأولى عند التعيين تقريباً  13500ليرة سورية يضاف إليها تعويض التدفئة ليصل المبلغ إلى عشرة آلاف ليرة بالإضافة إلى الزيادة الصادرة بالمرسوم الرئاسي ب أربعة آلاف ليرة والتي تضااف على الراتب الأساسي لجميع العاملين، فإن بدل إيجار منزل صغير في ضاحية ريفية لا يقل عن 10 آلاف ليرة سورية ما يعني أن 70% من دخل الأسرة يذهب إلى بدل الإيجار وتأتي نسب الإنفاق على الملبس والكساء لتبلغ 10%، وسبب انخفاض نسب هذه الحاجة اعتماد الأسر على الألبسة الأوروبية المستعملة ذات السعر المنخفض، وتنخفض نسب الإنفاق على عناصر أخرى مثل الثقافة والأنشطة الترفيهية وما شابه ذلك لتقارب الصفر.

تراجع شريحة أصحاب الدخل المحدود ..

تراجعت شريحة أصحاب الدخل المحدود ومن ثم الأسر متوسطة الدخل في سورية لتتحول إلى مجموعة من الأسر منخفضة الدخل لذا تقوم الأسر السورية حالياً بتوزيع دخلها المحدود على سلة الإنفاق التي أساسها السكن ثم الغذاء والكساء وبعدها تأتي الخدمات وطبعاً السكن له ظروفه وخصوصيته، أما الغذاء فيعتبر أساس إنفاق الأسر السورية فهي تنفق نحو 80% من دخلها عليه، والباقي يتوزع على الخدمات.

الرعاية الصحية ..

تشير التقديراتلعام 2015 حسب وزارة الصحة السورية إلى تعرض قطاع الصحة إلى تخريب وأضرار بلغت أكثر من 7مليار ليرة، منها 2 مليار بسبب العقوبات (وهذا ينافي المبدأ القانوني للعقوبات) حيث تم منع تصدير العديد من الأدوية وموادها الأولية بحجة كونها تخضع للاستخدام المزدوج (المدني والعسكري) وكون أن جزء من هذه الأدوية يستخدم في علاج جرحى الجيش العربي السوري، وكذلك خروج أكثر من اثني عشرة مشفى من الخدمة، أي ما يعادل  أكثر من 45% من مجموع المشافي في سورية، وهو الأمر الذي حرم العديد من الأسر السورية من الخدمات الصحية المجانية ويقدر عدد الأسر المحرومة بأكثر من 1.3 مليون أسرة.

وتقدر التقارير أن 46% من الأطفال المهجرين خارج القطر بحاجة إلى رعاية صحية فورية، لا تتمكن المنظمات الدولية من تغطيتها.وتراجعت تغطية اللقاحات من 95% إلى نسبة 80% نتيجة الأزمة وعدم توفر اللقاحات الأساسية بشكل يغطي كافة محافظات القطر.

التربية والتعليم ..

أشارت تقديرات منظمة “اليونيسيف” إلى أن التدهور الحاصل في قطاع تعليم الأطفال السوريين هو “الأسوأ والأسرع في تاريخ المنطقة”، في بلد كان مستوى الالتحاق بالمدارس الابتدائية فيه، يزيد عن 97 في المئة قبل بدء الصراع في العام 2011.و تؤكد “اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا” – “الأسكوا”، في تقريرها لعام 2015، أن هذه التقديرات بل على العكس، فإنها تتوقع أن “تتدنى نسبة الالتحاق بالتعلـيم الأسـاسي إلى 50 في المئة مـن الفئـة العـمرية 6 الى 11 سنـة، وإلى 30 في المئة في صفوف التلاميذ في الصفين الأول والنهائي من مرحلـة التعلـيم الابتدائـي، وهـي نسـبة متدنيـة إلى حـد مخيف، وستترك أثرها المدمر على مستقبل البلد لعقود طويلة”.

حيث أن جيلاً من الأطفال دون سن ال15 سوف يكونون ضحية الأمية، تاركاً احتمال وقوعهم تحت تأثير الدعاية الدينية المتطرفة كبيراً جداً، تاركاً تساؤلات كبيرة على هوية الشباب السوري مستقبلاً، حول منهجية الفكر والنظم التعليمية التي يتعرض لها هؤلاء الشباب والأطفال.

قطاع الدواء ..

فرض على القطاع الدوائي في سورية مجموعة من العقوبات الغربية والعربية حيث تأثر هذا القطاع بشكل ملحوظ مع ارتفاع كبير بسعر الأدوية المحلية والدواء الأجنبي، و تحدث تقرير لمنظمة الصحة العالمية لعام 2015 عن نقص حاد للأدوية في سورية بسبب إغلاق العديد من مصانع الدواء الرئيسية. حيث أدّت العقوبات إلى انهيار البنية التحتية للرعاية الصحية مع تضرر أكثر من نصف المستشفيات العاملة، كما أدى إلى انخفاض أعداد القوى العاملة، ونقص الأدوية الأساسية والإمدادات، مع العلم أن 90 في المئة من مصانع الدواء السورية تقع في حلب وحمص ودمشق وأصيب معظمها بأضرار بالغة.

من الناحية الاجتماعية والنفسية..

كان للحربأثرنفسي واجتماعي كبير على الأسرة السورية، ويعود ذلك للضغط النفسي المادي والمعنوي الذي يتعض له الفرد كل يوم، بسبب الضغوطات الناتجة عن تردي الوضع الأمني فالاقتصادي فالاجتماعي، وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى انهيار وتغير في بنية الأسرة السورية بشكل عام، فعلى سبيل المثال مات من أحد أهم العوامل الاجتماعية التي أثرت في المجتمع السوي إثر الحرب ألا وهي ازدياد حالة الطلاق بشكل ملحوظ، فاليوم أصبح من الصعب على الفرد أن يؤمن المستوى المعيشي المطلوب للحد  الأدنى للحياة الكريمة من مأوى وغذاء وملبس وتعليم، وذلك أنّ الفرد لم يعد قادراً على العمل بسبب حجم التدمير الكبير بسبب الأعمال الحربية، والمصاعب الاقتصادية والضغوطات الدولية التي حالت إلى توقف العديد من المؤسسات الخاصة عن العمل  بالإضافة إلى الأعمال الحرة من تجارة وصناعة وزراعة، والتي كان الاعتماد عليها بشكل كبير من قبل المواطن السوري.

لقد ازدادت حالات الطلاق في سورية بشكل ملحوظ في السنتين الماضيتين، حيث سجلت مصادر حكومية حوالي 350 حالة طلاق يومية في كل من مدينتي حلب ودمشق بحسب تصريح المحاكم الشرعية، ومسجلة نسبة 50% من حالات الطلاق، وانخفاض في معدل الزواج بنسبة 50 % عما كان عليه قبل عام 2011.

إن العقوبات التي طالت الأسرة السورية الغير المحصنة في فترة ما بعد الأزمة تجلّت بأشكال مختلفة، منها التفكك الأسري والطلاق وتشرد الأبناء وتدهور المستوى المعيشي والعنف والزواج المبكر وتعدد الزوجات”، لافتة إلى أن “معدل الزواج ارتفع في الفئات العمرية دون العشرين سنة، إلى جانب ارتفاع نسبة العزوبية في الفئات العمرية الأعلى، بعد أن كان وصل سن الزواج قبل الأزمة إلى مستويات إيجابية بحدود 25 إلى 26 سنة للأنثى و30 إلى 31 سنة للذكر .

كيف تؤثر العقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية ؟.
وما هو الانعكاس المباشر لها على الأسرة السورية؟.
  • ثمة فارق كبير في التوصيف والآثار القانونية لكل من العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الأمم المتحدة، وتلك التي تُفرض خارج إطار منظمة دوليّة، من قبل دولة أو عدة دول تجاه دولة أو دول أخرى، حيث ينأى المنطق القانوني السليم عن وصف هذه الفئة الأخيرة بالعقوبات لغياب أيّة رابطة من شأنها تحويل أي من هذه الأطراف معاقبة الطرف الآخر، وهذا ما قامت به الولايات المتحدة من خلفها الاتحاد الأوروبي عندما فرضت العقوبات الجائرة بحق سوريا والتي أثرت على عيش المواطن والأسرة السورية بشكل مباشر.
  • تعتبر هذه العقوبات إجراءات غير وديّة في إدارة العلاقات الدوليّة.
  • أصبحت العقوبات الاقتصادية الدوليّة إحدى ركائز ممارسة التدخل الدولي الإنساني من قبل الأمم المتحدة، وخطورة التدخل عبر هذه العقوبات يكمن في الانحراف عن الضوابط القانونية لفرضها، ولاسيما عندما أضحت بمثابة أداة لعزل بعض الشخصيات في الدولة، خاصةً في حال كانوا من أفراد السلطة السياسية في دولة ما، أو للضغط عليهم عندما لا تتوافق سياساتهم مع اتجاهات تتبناها الدول الغربية تحديداً.
  • عدم قبول فكرة تحمّل الآثار السلبيّة للعقوبات الاقتصادية الدوليّة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في سبيل تحصيل حقوقه المدنيّة والسياسيّة، فاليوم المواطن في سوريا يعاني من عدم قدرته المطلقة على الحصول على أدنى معطيات العيش الآمن والحر الكريم، بسبب الأحداث الدائرة، ناهيك عن ما يتعرض لها من ضغوط دولية اقتصادية من قبل الدول المجاورة ودول إقليمية.
  • الحق في التنميّة في أولويّة حقوق الإنسان، التي تعاني من التأثيرات السلبيّة للعقوبات الاقتصاديّة الدوليّة. حيث إنَّ الواقع الذي نجم عن تطبيق النظرية التقليدية للعقوبات الاقتصادية بشكل عام أدى إلى ثورة على هذه النظرية تمثلت بظهور فكرتي الاستثناءات الإنسانية والعقوبات الذكيّة.
  • إمكانية قبول آثار العقوبات الذكيّة على حقوق الأفراد المسؤولين عن خرق القانون الدولي، لكن ما لا يمكن القبول به هو افتقار قرار فرضها للأسس القانونية السليمة، ولاسيما من ناحية مراعاة الضوابط القانونيّة التي تحكم عمل مجلس الأمن أو تلك المنبثقة من القانون الدولي لحقوق الإنسان.
*باحث وكاتب – سوريا 

 

شاهد أيضاً

الولايات المتحدة :هل حان الوقت لإعادة التفكير في معنى “الشراكة الاستراتيجية “مع الدجاجة التركية ؟

|| Midline-news || – الوسط … كتب ستيفن  أ. كوك  في مجلة بولتيكو الأمريكية …تستمر واشنطن …