أهم الأخبار
الرئيسية / رأي / فرنسا المتمرّدة .. بقلم نجيب البكوشي ..

فرنسا المتمرّدة .. بقلم نجيب البكوشي ..

خاص – || Midline-news || – الوسط ..

تشهد فرنسا منذ ثلاثة أسابيع أعمق أزمة سياسية واجتماية منذ أحداث أيار/ماي 1968، حيث تمكّنت حركة السترات الصفراء، التي فاجأت الرئيس ايمانويل ماكرون وفريقه الحاكم ، وتجاوزت النقابات والأحزاب المعارضة يميناً ويساراً ، وتمكنت من اكتساح الشارع ونيل تعاطف الأغلبية الساحقة من الفرنسيين ، وجلب اهتمام العالم بأسره إلى ستراتها الفوسفورية المضيئة.

تاريخ فرنسا حافلٌ بمثل هذه الانتفاضات المتمردة على السياسية الضريبية ، والثائرة ضد السلطة المركزية ، والتي تصنع في الأثناء رموزها الخاصّة بها ، نذكر من أهمها ؛

  • انتفاضة الفلاحين سنة 1358 ، إبّان حرب المائة عام ضد إنجلترا ، والمعروفة بالثورة “الجاكية” نسبة إلى “جاك” Jacques ، وهو اللقب الذي كان يطلق على الفلاحين في العصر الوسيط ، ومنها جاء مصطلح / Jacquerie / الذي يُقصد به انتفاضات الفلاحين والقرويين ضدّ السلطة المركزية .

 

  • كذلك انتفاضة القبعات الحمراء التي اندلعت سنة 1675 ، في عهد لويس الرابع عشر ، وهي بدورها حركة تمرد ضريبي للمزارعين في منطقة “بروتاني” Bretagne ، وبعد حوالي ثلاثة قرون ونصف قام سائقو الشاحنات في نفس المنطقة سنة 2013 في عهد الرئيس الأسبق فرنسوا هولاند بحركة احتجاجية أطلقوا عليها كذلك حركة القبّعات الحمراء ، مستعيدين رمزية انتفاضة أجدادهم ، وقد أرغموا الحكومة على التراجع عن ضريبة بيئية كانت قد أقرّتها على شاحنات نقل البضائع .

 

  • كما ظهرت إبّان الثورة الفرنسية ، التي اندلعت شرارتها بسبب الزيادة في الضرائب ، حركة “Les sans culottes” “لي سان كيلوت” ، وتعني حرفياً “الذين لا يرتدون السراويل القصيرة” ، وأطلق عليها هذا الإسم لأنّ عناصرها كانوا يرتدون سراويلا طويلة من قماش خشن مخططة طوليا بالأبيض والأزرق وقبعات حمراء تسمّى قبّعات الحرية تُشير إلى العبيد المحرّرين في روما القديمة ، على عكس النبلاء والأرستقراطيين الذين كانوا يرتدون السراويل القصيرة المصنوعة من الحرير والملابس الفاخرة.

  • ضمّت الحركة الفقراء والمهمشين والمعدمين في المجتمع الفرنسي ، وساهمت بشكل كبير في نجاح الثورة وإسقاط النظام الملكي ، وكانت تدافع عن فكرتين رئيسيتين ، المساواة بين جميع المواطنين ، والجمهورية كأرقى أشكال الحكم، وكان عناصرها من أوائل الذين هاجموا سجن الباستيل / La Bastille / في 14 جويلية-تموز 1789 ،وكذلك السبّاقين في الهجوم على القصر الملكي في باريس يوم 10 أوت 1792 ، كما أشرفوا على إعدام الملك لويس السادس عشر في ساحة الجمهورية في 1 جانفي- كانون ثاني 1793، ولم يتقلّص التأثير السياسي لهذه الحركة الشعبية الثورية إلا بعد إعدام حليفها روبسبيير / Robespierre / سنة 1794.

 

  • أمّا في القرن العشرين فمن أبرز حركات التمرّد الضريبي التي واجهت الجمهورية الرابعة الفرنسية ، نجد الحركة / الپوجادية / Mouvement Poujadiste / ، نسبة إلى مؤسسها / بيار پوجاد Pierre Poujade / ، وقد ظهرت سنة 1953 لتقود انتفاضة الحرفيين والتجار الصغار ضدّ مصلحة الضرائب وضد نمط العيش الباريسي ، خاضت هذه الحركة اليمينية المحافظة غمار الإنتخابات سنة 1956 وحصلت على ما لا يقل عن 52 مقعدا بالجمعية الوطنية ، وكان من بين نوّابها / Jean Marie Le Pen جان ماري لوبان / الذي سيتحوّل إلى زعيم اليمين المتطرف في فرنسا لعدة عقود .

انتفاضة السترات الصفراء التي اندلعت يوم 17 نوفمبر-تشرين ثاني 2018 ، والتي يتعاطف معها ثلاثة أرباع الفرنسيين ، هي كذلك حركة تمرّد ضريبي تقودها الطبقات الوسطى الفرنسية التي انتعشت في فترة الثلاثين المجيدة Trente Glorieuses ، التي شهدتها فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية ، ولكن هذه الفئات تدحرجت في السلّم الإجتماعي خلال العقدين الأخيرين واصبحت جزءا من الطبقات الشعبية المفقّرة ، ومع ذلك ظلّت البقرة الحلوب لمصالح الضرائب .

هي حركةٌ احتجاجية عفوية ذات طابع أفقي محرّكها وسائط التواصل الإجتماعى ، تضمّ شرائح اجتماعية متنوعة ؛ حرفيين ، متقاعدين ، موظفين صغار ، أصحاب مؤسسات صغرى ، عمال ومزارعين ، كما يوجد حضور كبير للنساء داخل هذه الإحتجاجات وهو أحد مؤشّرات عمق الأزمة الإجتماعية التي تعيشها فرنسا .

 

السترات الصفراء بشعاراتها وبمكوّناتها السوسيو-ثقافية ، وبرفضها لمؤسسات الدولة ، وبعدائها لوسائل الإعلام الرسمية التي تعتبرها مضلّلة وغير موضوعية ، تأخذ أحيانا ملامح الحركات الشعبوية الصاعدة في أوروبا والعالم مثل حركة الخمس نجوم الإيطالية ، فهي تعبّر عن هوّة ثقافية وسوسيولجية سحيقة بين باريس المدينة الكسموبولتية المتعددة الثقافات ، وفرنسا الأعماق البيضاء والمحافظة ، بين المركز الذي يحتكر السلطة والثروة ، والأطراف التي تشعر بالتهميش والحيف ، لذلك فإن عملية الزحف على العاصمة باريس تحمل أكثر من دلالة ، فأصحاب السترات الصفراء القادمون من المدن والقرى الداخلية يماثلون بين ايمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ماكرون من جهة ، وبين الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت من جهة اخرى ، لذلك يصرّون في مسيراتهم في باريس على الوصول الى قصر الإيليزيه لمحاصرته ، وقد سُجّلت محاولة اقتحام لمجلس الشيوخ الفرنسي القريب من القصر الرئاسي .

 

المكوّنات السوسيولوجية للحركة تختلف عن الجمهور الملوّن ثقافياً الذي خرج الى الشوراع في كافة أنحاء البلاد للإحتفال بفوز المنتخب الفرنسي بمونديال روسيا في الصيف الماضي ، فسكان أحواز باريس وأحزمة المدن الفرنسية الكبرى من المهاجرين ، ليس لهم وجودٌ لافتٌ في هذه التحركات الإحتجاجات ، بل نجد داخل الحركة صدى لبعض شعارات اليمين الشوفيني الفرنسي ، من قبيل أن الدولة تخلّت عن مواطنيها لتقدّم الخدمات والإمتيازات للمهاجرين واللاجئين القادمين من كافة أصقاع العالم .

كما تجدر الإشارة إلى أنّ حركة السترات الصفراء تجد دعما كبيرا من حزب التجمّع الوطني المتطرّف / Rassemblement National / بقيادة مارين لوپان Marine Le Pen ، وكذلك من عدّة وجوه مؤثرة في المشهد الفكري والثقافي الفرنسي تدور في فلك اليمين العنصري المعادي للمهاجرين ولفكرة فرنسا المتعددة الثقافات والمنفتحة على العالم مثل الكاتب والصحفي المثير للجدل إيريك زيمور Éric Zemmour ، صاحب كتاب Destin français (مصير فرنسي) ، والفيلسوف آلان فيلكنكروت Alain Finkielkraut صاحب كتاب L’identité malheureuse (الهوية البائسة) ، والممثلة الشهيرة بريجيت باردو Brigitte Bardot .

اليسار الراديكالي المتمثل في حركة فرنسا الأبية La France Insoumise بقيادة ميلنشون Mélenchon ، يدعم سياسيا حركة السترات الصفراء ولكن تأثيره داخل هذه الأوساط الشعبية أقل بكثير من اليمين المتطرف .

محاولة اليمين العنصري توظيف الحركة وجعلها تصبّ في خزّانه الانتخابي لا ينفي عدالة مطالب المحتجّين الذين يعانون من تدهور مقدرتهم الشرائية وظروف عيش قاسية في الأرياف والقرى ، آخر الإحصائيات الرسمية تتحدّث عن تسعة ملايين فقير فرنسي .

الفرنسيون يشعرون بخيبة أمل تجاه رئيسهم ماكرون الذين علّقوا عليه آمالاً كبيرة ، فهو اليوم في نظرهم رئيسٌ للأغنياء فقط ، خاصة بعد أن ألغى الضريبة على الثروة ومنح عدة امتيازات جبائية لأصحاب المؤسسات الكبرى .

لم يسبق في تاريخ فرنسا أن بلغ رئيسٌ مثل إيمانويل ماكرون هذا الحدّ من القطيعة مع شعبه نتيجة أخطاء اتصالية بدائية ، حيث ردّد في أكثر من مناسبة جُملاً جارحة من قبيل : “لستُ شمساً لأُشرق على كل فرنسا” ، ” لا أعدكم بشيء فأنا لست البابا نويل” ، “فرنسا بلدٌ لا يمكن إصلاحه” ، “الفرنسيون يكرهون الإصلاحات ومدمنون على التشكّي” .

حركة السترات الصفراء كشفت عن هوّة سحيقة بين النخبة الحاكمة وعامة الشعب ، ويمكن تلخيصها في هذه الجملة التي وردت على لسان أحد المتظاهرين ، “نخبتنا تتحدّث عن نهاية العالم ، في حين نتحدّث نحن عن نهاية الشهر ” / Les élites parlent de fin du monde, quand nous, on parle de fin du mois / .

إيمانويل ماكرون أنجز المستحيل الانتخابي بفوزه على أعرق الأحزاب السياسية الفرنسية في ظرف وجيز ، ولكنّه وقع في المحظور السياسي بسوء تقديره لقدرة الفرنسيين على التمرّد .

يبدو أن الرئيس الأربعيني الشاب ، المزهو بنفسه في قصر الإليزيه ، لم يستيقظ بعد مما يقارب العامين من اعتلائه سدّة الحكم ، من نشوة انتصاره على زعيمة اليمين المتطرّف مارين لوپان ، ربّما انتفاضة السترات الصفراء سوف تجعله أكثر تواضعاً ، وتعلّمه أن الكبرياء أمام الجماهير ثمنه باهظٌ جدّا .

*كاتب وباحث تونسي – باريس

شاهد أيضاً

إدلب “اتفاق سوتشي” ..هل انتصرت تركيا ؟؟

|| Midline-news || – الوسط …  قبل أيام قال قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء محمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *