أهم الأخبار
الرئيسية / ثقافة وفن / ترصيع بالبزق على خصر عابر .. طارق عدوان ..

ترصيع بالبزق على خصر عابر .. طارق عدوان ..

|| Midline-news || – الوسط … 

البنت الغجرية، التي ولدت مفطورة على الموسيقا كأغلب الغجر الذين يتخذون منها (أي الموسيقا) وسيلة للعيش ومواجهة احتمالات الدروب المفتوحة على المجهول، والتي ترسب النداء الغجري في حنجرتها جينيا لا بالاكتساب أو الأكاديمية، فاستطاعت المناورة على مقامي البيات و الصبا بما يتناسب وذاكرتها والذوق العام للمتلقي في كل مرحلة من مراحلها وساعدها جسدها المرن الذي نحته الفقر ذات طفولة على التفسير البصري لارتجالات البزق الغجري الذئب،وهو يسير بها على طريق يحددها الطبل بكل صرامة اتجاها” ونقاط ارتكاز، الطبل..الذي كان جسدها أيضا له بالمرصاد جرساً حراً يهتز مع كل (دم) إيقاع معلناً بداية الميزور الموسيقي، كخلخال في قدم أنثوية تكمل مخملها مع كل خطوة.

سارية السواس، التي انطلقت تحاول عيشاً مع الأغان و الجمل الموسيقية ذات مئات السنوات إن لم تك أقدم كمتن و أساس نغمة : (اللالا،عرب الشرقية، الدلعونا،…وغيرهم) وهي أغان سورية حكماً ووثيقةً ومقاماً ولهجةً وطريقة في التعبير عن الشجن و التوق للفرح و الانعتاق، وماهنالك من ملح للروح يشرع في وجه الريح و المجهول .. في التعبير عن الانتماء و الولاء للحرية و الحياة بكافة الأشكال والمواجع.

في كل البلاد التي تحترم إرثها وموروثها اللغوي و اللهجوي (الموسيقي و اللغوي) تدرس في معاهدها الموسيقية عاليةً كانت أم منخفضة أم متوسطة الارتفاع مادةً اسمها : الفولوكلور والموسيقا والغناء الشعبيان . وهناك بلاد أخرى ذهبت أبعد من ذلك فأفردت لهذا قسماً كاملاً يعيد أدلجة هذا الكنز الوجداني وتنظيمه وولادته من جديد مع الاحترام لكل غنة ولكنة وهمسة، متعاملاً معها على أنها طرح موسيقي وصوتي من البواكير، وعلى أن الواجب يقتضي التذكير برشاقة و علم بلون الزمن العتيق ورائحته الأصيلة،لا أن يتركها لمقصلة الأورغ الرخيصة التي قفزت عن الكازينوهات إلى الشوارع و السيارات و الأسواق لتقطع الآذان و تطحن الروح بالضجيج الرخيص، ويعد متخذا منها غنيمة فرز ثقافي للشتيمة وغيرها.

الأمثلة كثيرة، وأترك للقارئ الخوض في غمار غوغلنا العزيز للبحث و التعرف على قسم الفولوكلو و الموسيقا الشعبية في معاهد الموسيقا في أغلب أصقاع المعمورة، وللتعرف أيضاً على فضل الغجر في ارتحال النغمة و المفردة الموسيقية و اللغوية وفي تكحيل القوالب الموسيقية الموروثة تاريخيا”.

يتبادر هنا سؤال : لماذا لم يتم احتواء سارية السواس وغيرها كمادة غنية خام من صنع الطبيعة لتشكيل صورة لائقة و متكاملة عن الفن الموسيقي السوري الشعبي الحقيقي؟!

جميل جدا” أن أذهب لأستمع لنوسيقا شترواس و بيتهوفن و موتزارت وإلى ماهنالك من خوالد الدهر، ولكن و لعله من الأجمل بالنسبة لي كسوري وكعربي أن يكون لدي ذاكرة صوتية و لغوية معادة الإنتاج و التكوين بما يليق بقدمها، يتيح لي أن أتخيل إيماءة ونبرة صوت جد جد جدي قبل أن يمارس الحب مع جدة جدة جدتي بدقائق…مثلا”.

لعل من الجور بمكان أن نغفل عن المحاولات الموفقة و الجميلة لمجموعة من الشباب، الذين ينشغلون بهذا المجال والصعيد مثل (فرقة تكات، فرقة الصعاليك) وغيرهم، وغالباًٍ يوجد غيرهم، أو يجب أن يوجد غيرهم، ناهيك عن السكب الجديد الجميل و الحذق للفكرة الموسيقية الفولوكلورية على يد المبدع طاهر مامللي من خلال الضيعة الضايعة تماما” والخربة التي ترفض الخراب..

كل هذه المحاولات الجميلة و الصادقة و النبيلة تبقى في إطار المحاولات للوخز في الذاكرة ما لم يتم تبني الفولوكلور و الفن الموسيقي الشعبي الدسم و الحقيقي بلهجاته الموسيقية و اللغوية وجغرافيته وطيقة تعامله مع المقام و الكلمة ..كجزء عام من ثقافة البلاد وذاكرتها.

ترى ماذا فعل (غورات بريغوفيتش) مؤلف الموسيقا التصويرية لأغلب أفلام (إمير كوستوريكا)؟!. ألم يجمع كل الفولوكلور والإرث الغجري اليوغوسلافي وأعاد إنتاجه وطرحه ضمن جمل و عبارات وأفكار موسيقية تعكس رائحة المكان و النفوس، وتقدم رونقاً صوتياً تعريفياً بإرثه ؟؟!!! … لقد أشجى كل من سمعه، إذ كسب الهوية و المعدن، ابن يوغوسلافيا التي أنَّت تحت نير الحرب الأهلية و خرجت منها بالموسيقا و السينما !!.

سارية السواس (نموذجا”)، سبيكة ترفة،لم تأخذ شكلا”، فتركت ذهبها دون أن تدري، وكان الحري أن يتم استثمارها قبل أن يلتهمها السوق و الاستهلاك والزمان و الضجيج وصخب الدفاع عن العيش، لا أن تنتظر (بنت الكلب التي كانت سهرانة” حتى الثانية ليلاً وهي تسند الحيطان).
.
سلام لخصر كان يتلوى كغريب يبحث عن الفرح ولا يجده …
الفرح .. الذي لم نتقن ثقافته يوماً … وسنشتاقه كثيراً .

شاهد أيضاً

أيام قرطاج الشعرية… تتحدث بلغات العالم

|| Midline-news || – الوسط … للعام الثاني على التوالي، وتحت شعار “احتفاء بالشعر احتفاء …