أهم الأخبار
الرئيسية / ثقافة / النوم بين قبور الحالمين … بقلم : أحمد فاضل

النوم بين قبور الحالمين … بقلم : أحمد فاضل

|| Midline-news || – الوسط ..

ليسَ الواقعُ من يفرضُ الحلمَ كبديلٍ عنه , الحلمُ يفرضُ نفسَهُ كبديلٍ عن الحالمِ ذاتِه .

دافعٌ عميقٌ إلى التعالي عن معطياتِ الهويّةِ والحضورِ يأخذُ مساراتِهِ في اليقظةِ والنومِ جاعلاً من الترميزِ منطقاً لصوغِ العالم .

لكنّ أخطرَ ما في عالمِ الحلمِ البديلِ هذا أنّه يُؤسَّسُ على العلائقِ الخفيّة بين معطياتِ العالمِ “الواقعيّ” وانطباعاتِ الوعيِ التي تتشّكل وتشّكل هذه المعطيات.

من الصعبِ القبضُ تماماً على المؤثّر والمؤثَّر فيه في هذه المعادلة , ومن العبثِ أن يبحثَ العقلُ عن منطقِ هذا التأثيرِ لما في ذلكَ من احتمالاتٍ تنسفُ أيّ يقينٍ بفهمِ الأمر .

لكنّ الظاهرَ من أثرِ هذه العلاقةِ أنّها تتركُ الواقعَ ضحيّةً لها , فالتجاذبُ الحادُّ بين الذاتِ الحالمةِ وبديلِهَا “الحلميّ” يبقى معلّقاً في عالمٍ شبهِ مهملٍ كهامشٍ آمنٍ للحلم .

أمّا الواقعُ فيبقى بمنأى عن كلّ هذا خاضعاً للصيروراتِ القديمةِ الجافّةِ التي لم تستطع “الذواتُ الحالمةُ ” دخولَها خوفاً على الحلمِ أو خوفاً على نفسها أو خوفاً على هذه الصيرورات التي تصبحُ مقدّسةً كلما منحَهَا التقادمُ المزيدَ من الطرقِ المعبّدَة بقبول العامّة لـ”الأمر الواقع” .

هكذا يصبحُ الواقعُ أشدّ “واقعيّةً” ويصبحُ الحالمُ أشدّ فصاماً ويصبحُ الحلمُ خطيئةً قاتلةً أو قبراً جافاً للروحِ الإنسانيّة .

ولعلّ أكثرَ الحالاتِ شذوذاً أن يمهّدَ الحلمُ لتعالي الذاتِ في اتجاهٍ خاطئ، فقد يقودُ الحلمُ أصحابَه وهُم في قبضةِ اليأسِ إلى التماسِ تجاوزاتٍ نحوَ “ذاتٍ بديلةٍ” وعلاقةِ أفضلَ مع العالم فيقعُ في وهمهم أنهم يتعالونَ على ذواتهم بينما يكونُ الأمرُ مجرّدَ استعارةِ ذواتٍ بديلةٍ جاهزة .

وهنا يقدّمُ التاريخُ بضاعته الجاهزةَ دائماً .. فيكثرُ “اقتباسُ الأحلامِ” من الماضي ويكثرُ استنساخُ التاريخِ كمقوّمٍ للذاتِ الإنسانيّة .. كلّ هذا ليسَ خطراً .. الخطرُ في الأمرِ أن المستعيرينَ أحلامَ الماضي لا يؤسّسون َحركةَ حاضرِهم على هذا الماضي بل يكتفونَ بالجمودِ الذي قادهم إلى هذه اليأسِ بعدَ إسقاطِه على الحلمِ  نفسِه بانتزاعِه من حركيّته في سياقِه التاريخي ّ.

إضافةُ الجامدِ إلى الجامدِ سمةُ المجتمعاتِ التي تصرّ على النكوصِ  الطوعيّ في عصرٍ مفرطِ السيلانِ والحركة .. عصر تعدّت فيه السرعةُ قدرةَ الوعيِ على القياسِ وخرجت فيه المجتمعات – الحديثة على الأقل – من جدلِ الثابتِ والمتغيّر ..

وفي عصرٍ كهذا يصبحُ الواقعُ المُتخلّى عنه لصالحِ  حلمِ ذاتٍ تتخلّى عن صيغتها الحاضرةِ قبراً لقبرٍ لا ميتَ فيه سوى الأحياء الذين يحلمونَ باستبدال ذواتِهِم التي لا يشعرونَ بها أو ربّما يشعرونَ بها منقوصةَ الحضورِ والحاضر , أحياء على قيدِ نومٍ مرضيّ متوارثِ الأسباب والغايات..

وفي عصرٍ كهذا يصبحُ أصحابُ “لعنة اليقظة” من النخبِ الفكريّة – وهذه الوصف اضطراريّ بطريقةٍ مضحكة – مجرّدَ قومٍ يستجدونَ مقاومةَ النعاسِ خوفاً من “وحشةِ” النومِ بين القبور … وهذا الفعلُ فعلُ حفاظٍ على الذاتِ لا فعلُ تأثيرٍ في الآخرِ النائمِ,الميت,ِ القبر …

في عصر كهذا لا بدّ من حلمٍ ما … قد يكونُ الحلمَ بالقدرةِ على الحلم .

شاهد أيضاً

مهرجان “قرطاج” السينمائي يتحدى الإرهاب بالفن ..

|| Midline-news || – الوسط .. انطلقت الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان أيام قرطاج السينمائية …