أهم الأخبار
الرئيسية / ثقافة / أبـو العـلاء المـعـري .. بـقـهـر المـشمـش و الـدودوك ..

أبـو العـلاء المـعـري .. بـقـهـر المـشمـش و الـدودوك ..

|| Midline-news || – الوسط  ..

طـارق عـدوان ..

هو ليس لقاءٌ بين مُـبـدعَـيـن كلٌ منهما عملاقُ أمته ، و ليس تزلفاً من المادح للمدوح ، كون المادح أيضاً لا تنقصه هيبة الكلمة ولا الخبرة في اغتراب الروح نحو المعنى الأولاني للخفقة و النبض ، و لا الرصد الذئب لحركات الروح الخفية .. كيف لا و المحتفي هو شاعر الأمة الأرمنية ( المعلم ) ” آفيتيك إيساهاكيان ” المولود عام 1875م عندما كان شعبه يواجه ويصارع خطر الفناء و الشتات فكـبَّـره الألم و رعاه ودفَّأهُ ..جمراً أبدياً ما خمد وهجه حتى اللحظة :

الحياة .. في لجتها المجنونة ..
أقف صامداً كالصخرة
تلطم الصاعقةُ جبهتي العالية
و أنا صامدٌ ..
تدهمني العواصف .. تلفني الزوابع ..
تلطم الأمواج صدري .. وأنا صامد ..
تمسكوا بي أيها الجبناء ..
ألقوا أسواركم تحت قدمي ..
انا صامدٌ .. كالصخر صامد ..

الزمن بمعادلاته الشائكة و حقائقة البسيطة العذبة ..
تتلاطم خلاله الأرواح تتناسق .. تتجاذب .. تتنافر .. تتوافق .. تتوازى .. تتمارى .. وتتقاطع .. على اختلاف وسائلها من الأجساد و الألسنة و الأفئدة التي تقطنها .. وعلى هذا فإنها وعندما تتقاطع بالفكرة و المقولة فإن الشرارة المتولدة هنا تكون أبدية مضغةً للحركة و التحريك والانبعاث و الخلق .. وتسيل من فرط الحق و العنفوان .. وهجٌ سائل يمخر الذاكرة و الضمير الإنساني .. ويضع العقل و الدمعة على مفترق من ملحٍ أزلي ..
وإلا مالذي سيدفع عملاقاً كإيساهاكيان ليحتفي ب ” أبو العلاء المعري ” ..
وما الذي سيدفع بـ” أبو العلاء ” ليقدم من التاريخ رافلاً بثوب البصيرة و الرؤية فـيُـلَـون حزن إيساهاكيان و عنفوانه ، و يمسح بيده على خيل روحه الشريد .. شرقي الغدو والخَبب .. المقاوم للتهجين و التدجين الغربي ..
أو ليس ذات الشيء حصل مع صاحب ” رسالة الغفران ” تجاه المتنبي حيث أنصفه من خصومه وكرّم نور روحه و لغته وانتصرَ لهما ؟ .. وبين الرجلين عقود من الزمن ..
أما هنا :
فقد قدم ” إيساهاكيان ” ملحمته الشعرية الكبرى ، وهي قصيدة في ديوان بعنوان ” أبو العلاء المعري ” و قسمها إلى مقاطع ، سمى كل مقطعٍ منها سورة .. كانت و ماتزال تُدرَّس في المراحل الثانوية التعليمية و في المراحل العليا من جامعة الآداب في أرمينيا ..
نورد منها هنا بعض المقاطع لنسافر و نرى مع ” آفيتيك إيساهاكيان ” ما رآه عندما تقمص روح ابي العلاء في رحلته بعد ان غادر بغداد عاصمة النور موزعاً ماله و قوافله للناس :

لَم يكُ لديهِ زوجٌ و لا ولد ..
منح ثروته للفقراء ورحل ..
رحل عن عاصمة الخلافة الفخمة ..
بعد عشراتٍ من السنين ..خبرَ فيها روحُهُ الإنسانَ وشريعته ..
نفذَ إلى عمقهِ .. عرفَهُ فكرِهَه ..
أعدَّ قافلةَ حزنه الصغيرةَ ورحلَ .. في ليلِ رقادٍ بغدادي ..
يهدهدهُ سرو دِجلة ..

الظلام لبسَ الظلام .. والديجور عانقَ القمر حتى أطفأهُ ..
والريحُ ..
عصوفٌ .. خيلٌ جامحةٌ ..
إنها الريح ..
موجٌ يلبس ترابَ الخَفَر ..
ويتركُ وراءه غبار السهول المتحرِّقة .. متصاعداً مغازلاً الغيم ..
ريحٌ .. قشعريرةٌ تَشي بدَويِّ الموت ..
وحوشٌّ تدور وتتلوى من جرحها ..
تزأرُ .. تئنُّ ..
ريحٌ تعوِلُ في فم الريح ..

لقد لـبَّــسَ ” إيساهاكيان ” هذه المشهدية لرحلة حياة أبي العلاء .. الرحلة الذهنية .. يُتم العبقرية و اغترابها ..” أبو العلاء ” هنا هو بغداد و القافلة و القمر و الديجور و الريح في آن .. هو انتفاضة البصيرة على البصر ..خروج الملح على الدمعة ..

الشاعر هنا بأخذه اللبوس المعري ، يتبنى خطاباً وجودياً وإنسانياً عنيفاً ضد التقليد و العادة و الرتابة العقلية و التركيبة الإنسانية العادية ، و يتبنى بمكانٍ استنهاضاً للأمة و العقل الجمعي المحصور المحدود ، يوقظه .. يَـهـزُّه .. من طابق العبقري العُلوي .. وكأن أبو العلاء شريكه في النزق المصيب .. وكأنه سهمه وقوسه وزنده .. وهدفه في آن ، وما الإنسان العدو في القصيدة إلَّا نموذجاً لعقلٍ ساكنٍ بسباته بلا تساؤل و لا جنون .. بلا عشق .. عقلٌ مستكينٌ لمألوفاته ومسلَّماته .. ولا سيما إذا سُمعت هذه القصيدة ملقاةً باللغة الأرمنية .. بنبرها و ارتكازها ولا حياديتها :

حاسرَ الجبين وبلا لثام ..
في هذا الهجير .
واقفٌ أنا أمامكِ غيرَ هـيَّـابٍ و لا وَجـِل ..
أمامك هنا ..
يا عواصف شاردةً كالحمم ..( اقصفيني ) ..
إلى المدن المدنسة المطعونة بصهيل غليان صخب الشهوة ..

لن أعود ..
إلى المدن المتشظية .. إلى الأشلاء .. حيث الكل طاغيةٌ .. الكل وحشٌ يمزق نظيره بنابٍ ازرق ..( وكأنَّ الحديث عنَّا بحربنا .. ونابنا الأزرق .. فيسبوك ) .

لن أعود..
يا نفسُ .. يا نفسي .. ويحكِ ..
ها أنتِ الآن بلا مأوى و لا وطن ..
بلا رفيق .. ولا زوادة طريق ..
ولن تعودي .. إلى داركِ التي أطفأتِ فيها موقدَكِ الأبوي ..

ازحفي يا ريح إلى دار أبي ..
اهدميها ودمريها ..
انثري غبارها على أطراف العالم ..
هذي الطريق داري .. والرحيل سُكناي ..
رحيلٌ يأخذني لرحيل ..
وانتِ .. يا أيتها الطريق المجهولة ..
يا مسكونةً بالسحر .. يا وطناً متجدداً فاتناً ..
خذيني و قلبي المنتحب ..
إلى هناك ..حيث لا أثر لإنسان ..

هذا الشعر .. إستصراخ للروح الانسانية .. إشهار بنزقٍ زوادته الألم و المعرفة ..

ينتهي المطاف بـ ” إيساهاكيان ” ختاماً باحتفائيةٍ إطرائيةٍ فخمة بـ” أبي العلاء ” و كأن الأخير سكنه ( لعل هذا واضح من المقطع الشعري الأول لإيساهاكيان ، و الاول لا يريد ذلك .. يريد فقط أن يتبعه على درب  العشق و النجوى و الرحيل .. ليحترقا في الشمس ويولدان مع كل نور :

ها أبو العلاء يحدق في الشمس كنسر يحلق دونما هوادة ..
روحاً ثملةً بالنور .. متقدةً بمشعل النشوة الأبدية ..

مياسةٌ هي الشمس فوق رأسه .. تنشر عليه جدائلها الأزلية ..
تلقي على كتفيه لألاءَ وشاحٍ أرجواني ..
والشاعر الكبير أبو العلاء .. يحلق شامخاً مظفراً ..
نحو الشمس .. نحو الشمس ..

*كاتب ومخرج سوري

Like
Like Love Haha Wow Sad Angry
51

شاهد أيضاً

كتاب ” تغيّر العقل ” .. التفكير الإبداعي لا يمكن شراؤه إلكترونياً ..

|| Midline-news || – الوسط  .. بات العالم الافتراضي مسيطرًا على البشر حتى إنه سلخهم …